الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

النازحون داخليا: العالم يقترب من الانهيار الإنساني

12 مايو, 2026
نازحون سودانيون يتجهون نحو تشاد بعد الهجوم على مخيمهم في دارفور عام 2023. ارشيف (رويترز)

نازحون سودانيون يتجهون نحو تشاد بعد الهجوم على مخيمهم في دارفور عام 2023. ارشيف (رويترز)

لم يعد النزوح الداخلي أزمة هامشية مرتبطة بحروب عابرة أو كوارث موسمية، بل تحوّل إلى واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية والسياسية في العالم المعاصر. فوفق تقرير “النزوح الداخلي العالمي 2026” الصادر عن المجلس النرويجي للاجئين (NRC) ومركز رصد النزوح الداخلي (IDMC)، يعيش العالم اليوم مستويات غير مسبوقة من النزوح داخل حدود الدول، في ظل تصاعد النزاعات المسلحة، والانهيار المناخي، وتراجع قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين.

وبنهاية عام 2025، بلغ عدد النازحين داخلياً حول العالم نحو 82.2 مليون شخص في 104 دول وأقاليم، وهو ثاني أعلى رقم يُسجل تاريخياً بعد ذروة عام 2024. أما عدد حالات النزوح الجديدة خلال عام واحد فقط فقد وصل إلى 62.2 مليون حالة نزوح.

لكن الأخطر في التقرير لا يكمن في ضخامة الأرقام وحدها، بل في التحول التاريخي الذي يرسمه: فالنزاعات والحروب أصبحت للمرة الأولى منذ بدء جمع البيانات عام 2008 السبب الرئيسي للنزوح الداخلي، متجاوزة الكوارث الطبيعية. ففي عام 2025 تسببت النزاعات والعنف في 32.3 مليون حالة نزوح داخلي، مقابل 29.9 مليون حالة نزوح بسبب الكوارث.

ويصف الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، يان إيجلاند، هذه الأرقام بأنها “علامة على انهيار عالمي في حماية المدنيين”. فملايين الأشخاص لم يعودوا قادرين على العودة إلى منازلهم، بينما أُجبر آخرون على العودة إلى مناطق مدمرة تفتقر إلى الخدمات الأساسية والأمان.

أكبر كارثة نزوح على وجه الأرض

في قلب هذه الأزمة يقف السودان بوصفه أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم حالياً. فالحرب المستمرة منذ أبريل 2023 دفعت البلاد إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار الإنساني، حيث سجل السودان وحده 11.6 مليون نازح داخلي، وهو أعلى رقم يُسجل في دولة واحدة منذ بدء توثيق البيانات العالمية.

الحرب لم تدمر المدن السودانية فحسب، بل مزقت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وتشير التقارير إلى أن النازحين في السودان لا يفرون مرة واحدة فقط، بل يُهجّر كثير منهم مرات متعددة مع تغير خطوط القتال واتساع رقعة الاشتباكات، خصوصاً في الخرطوم ودارفور وكردفان.

كما يحذر التقرير من أن نقص التمويل الإنساني والانهيار شبه الكامل للخدمات الصحية والغذائية يهددان بتحويل النزوح إلى حالة دائمة، لا مجرد أزمة مؤقتة.

غزة… نزوح بلا مناطق آمنة

أما في قطاع غزة، فقد كشف التقرير عن واحدة من أسرع وأوسع عمليات النزوح الجماعي في العصر الحديث. فمنذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تعرضت الغالبية الساحقة من سكان القطاع للنزوح، فيما تشير تقديرات مختلفة إلى كامل سكان غزة تقريبا اضطروا إلى مغادرة منازلهم مرة واحدة على الأقل، وكثير منهم مرات متعددة.

ويؤكد التقرير أن غزة تمثل نموذجاً استثنائياً للنزوح المتكرر داخل مساحة جغرافية صغيرة ومغلقة، في ظل غياب أي مناطق آمنة حقيقية، وتدمير واسع للبنية التحتية والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. فحتى عندما تتراجع العمليات العسكرية في بعض المناطق، يجد السكان أنفسهم أمام مدن مدمرة لا تصلح للحياة.

أفريقيا والشرق الأوسط في قلب العاصفة

وتظهر بيانات التقرير أن أفريقيا جنوب الصحراء باتت المركز الأكبر للنزوح الداخلي عالمياً، إذ تضم نحو 31.7 مليون نازح داخلي، أي ما يقارب 40% من إجمالي النازحين في العالم. كما سجلت المنطقة وحدها 17.3 مليون حالة نزوح جديدة خلال عام 2025. أما منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فقد شهدت تصاعداً حاداً في النزوح منذ أكتوبر 2023، خصوصاً بسبب الحرب في غزة واستمرار الأزمات الممتدة في السودان وسوريا واليمن ولبنان.

ما يكشفه التقرير بوضوح هو أن النزوح الداخلي لم يعد مجرد ملف إنساني، بل أصبح أزمة سياسية وتنموية وأمنية عالمية. فالنزوح الطويل الأمد يؤدي إلى انهيار الخدمات العامة، وتفكك المجتمعات، وارتفاع معدلات الفقر، وتصاعد التوترات الاجتماعية، وتعميق الهشاشة الاقتصادية والسياسية داخل الدول.

كما يحذر التقرير من أن تراجع أنظمة الحماية الدولية وتقليص التمويل الإنساني يجعلان ملايين البشر عالقين في أوضاع مؤقتة تتحول تدريجياً إلى واقع دائم.  وفي عالم تتزايد فيه الحروب والكوارث المناخية والانقسامات الجيوسياسية، يبدو أن النزوح الداخلي لم يعد استثناءً، بل أصبح أحد أبرز ملامح النظام العالمي الجديد؛ نظام يضطر فيه المدنيون دائماً إلى دفع الثمن الأكبر.

المصدر: تقرير النزوح الداخلي العالمي 2026- المجلس النرويجي للاجئين

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع