الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

العنف الجنسي وأطفال الاغتصاب في السودان

13 مايو, 2026
صورة أرشيفية لنازحات سودانيات

صورة أرشيفية لنازحات سودانيات

تكشف شهادات سودانيات ناجيات من الاغتصاب خلال الحرب عن وجه آخر للمأساة السودانية، يتجاوز أرقام القتلى والنازحين والمجاعة، إلى جرح أكثر عمقاً واستمرارية: الأطفال الذين وُلدوا نتيجة العنف الجنسي،  فهؤلاء الأطفال لا يمثلون فقط نتيجة مباشرة لجريمة فردية، بل هم شاهد حي على استخدام الاغتصاب كسلاح حرب، وعلى عجز المجتمع والدولة والمجتمع الإنساني عن حماية النساء ثم إنصافهن بعد النجاة.

لايمكن اعتبار العنف الجنسي مجرد انتهاك مصاحب للنزاع، وإنما تحول، وفق ما تنقله الشهادات، إلى أداة للهيمنة والإذلال وتفكيك المجتمعات. فالمقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات، ريم السالم، تصف الاغتصاب في السودان بأنه يُستخدم كسلاح “للحرب والهيمنة والتدمير والإبادة الجماعية”، وهذا يهدف إلى تدمير النسيج الاجتماعي وتغيير تركيبته. هذه العبارة تلخص جوهر الجريمة: الاعتداء هنا لا يستهدف المرأة وحدها، بل عائلتها وجماعتها ومستقبل مجتمعها بأكمله.

تبدأ المأساة من الجسد، لكنها لا تنتهي عنده. نسمة، التي اغتصبها ثلاثة من مقاتلي الدعم السريع في الخرطوم بحري، لم تكتشف حملها إلا في الشهر الخامس. كان بإمكانها أن ترى في الطفل امتداداً للجريمة، لكنها اختارت أن ترى فيه ضحية أخرى. قولها “ليس لابني ذنب. مثلما هو ليس ذنبي” يحمل شجاعة أخلاقية نادرة في سياق اجتماعي قاسٍ، حيث غالباً ما تُحمّل الناجية عبء العار بدلاً من أن تُمنح الحماية والدعم. قرارها بالاحتفاظ بطفلها هو قرار أمومة، ولكنه أيضا مقاومة لوصمة اجتماعية تحاول أن تعاقب الضحية مرتين: مرة بالاغتصاب، ومرة بالنبذ.

وتكشف الشهادات أن “الظلم المضاعف” لا يأتي فقط من الجناة، بل أيضاً من العائلة والمجتمع والمؤسسات. فالكثير من الناجيات لا يبلّغن عن الجرائم خوفاً من الفضيحة أو الانتقام أو الطلاق أو التخلي العائلي. وتقول ريم السالم إن عائلات تخلّت عن بناتها، وأزواجاً طلقوا زوجاتهم بعد تعرضهن للاغتصاب. بذلك تتحول الناجية من ضحية جريمة حرب إلى متهمة أخلاقيا، وكأن العار لا يلاحق الجاني المسلح، بل المرأة التي سُلبت إرادتها.

في دارفور، تبدو الصورة أكثر قتامة. فالاغتصاب هناك ليس طارئاً على تاريخ العنف، بل امتداد لذاكرة طويلة من الجرائم التي ارتُكبت منذ عهد الجنجويد، الذين تحولت امتداداتهم لاحقا إلى قوات الدعم السريع. تقرير وكالة الصحافة الفرنسية يشير إلى أن هجوم قوات الدعم السريع على مخيم زمزم، الذي كان يؤوي أكثر من نصف مليون نازح، رافقته عمليات قتل واغتصاب ممنهجة استهدفت الأقليات العرقية غير العربية. وهنا يصبح الاغتصاب جزءاً من سياسة تطهير وإخضاع، لا مجرد انفلات عسكري.

الأكثر إيلاماً أن بعض النساء تعرضن للاغتصاب أكثر من مرة، وفي مراحل مختلفة من حياتهن ونزوحهن. حليمة، مثلاً، اغتُصبت في المراهقة، ثم أثناء فرارها إلى مخيم زمزم، ثم مجدداً أثناء هروبها من المخيم بعد هجوم الدعم السريع. هذه الدائرة تكشف أن النزوح لا يوفر بالضرورة حماية للنساء، بل قد ينقلهن من خطر إلى آخر. فالطريق إلى النجاة يصبح هو نفسه ساحة اعتداء.

إضافة إلى حجم العنف الجنسي، تكشف الشهادات حجم الانهيار الصحي والاجتماعي الذي تعيشه الناجيات. ففي ولاية الجزيرة، أفادت إحدى المتطوعات بأنها ساعدت 26 امرأة وفتاة تعرضن للإجهاض، بينما كانت معظمهن يتناولن “كميات كبيرة من الأدوية الخطرة دون إشراف طبي”. هذا العدد، رغم قلته، يكشف جانباً معتماً من الأزمة: نساء وفتيات يُدفعن إلى خيارات خطرة وسرية خوفاً من الوصمة الاجتماعية أو بسبب غياب الخدمات الطبية الآمنة. وهكذا لا تصبح الناجية ضحية للاغتصاب فقط، بل أيضاً ضحية لانهيار النظام الصحي والخوف المجتمعي المحيط بالعنف الجنسي.

وفي دارفور، تتجاوز المأساة حدود العنف اللحظي إلى أشكال من الاحتجاز والاستعباد طويل الأمد. فبحسب وزيرة الشؤون الاجتماعية، توجد في مدينة نيالا فتيات محتجزات مع أطفالهن وقد بلغوا عاماً أو عامين، ما يشير إلى استمرار احتجاز النساء بعد اغتصابهن وتحويل بعضهن فعلياً إلى رهائن داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. هذه الوقائع تطرح أسئلة خطيرة حول مصير المفقودات، وحول الأطفال الذين يولدون في ظروف أقرب إلى العبودية الحديثة منها إلى الحياة المدنية الطبيعية.

وتكشف الشهادات أيضاً أن ما يجري ليس حوادث فردية معزولة، بل نمط واسع ومنظم. إذ تشير منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون إلى أنه “في بلدة واحدة في دارفور، هناك مئات الفتيات اللواتي اغتُصبهن، معظمهن حوامل”. هذا الرقم وحده يكفي لإظهار أن الاغتصاب يُستخدم كسلاح جماعي يستهدف المجتمعات بأكملها، وليس مجرد أداة ترهيب فردية. فحين يتحول الحمل الناتج عن الاغتصاب إلى ظاهرة جماعية داخل منطقة واحدة، فإن الحرب لم تعد تستهدف السيطرة على الأرض وحدها، بل أيضاً السيطرة على الأجساد والهوية الاجتماعية ومستقبل الجماعات المحلية نفسها.

ولا تتوقف الأزمة عند الحمل والولادة. فالنساء اللواتي يلدن أطفالاً نتيجة الاغتصاب يواجهن أزمات نفسية عميقة. بعضهن يشعرن بالانفصال عن الطفل أو العجز عن إظهار الحب له، لأن وجوده يعيد فتح الجرح يومياً. القابلة غلوريا إندريو من منظمة أطباء بلا حدود تشير إلى أن بعض النساء يصلن وهن ينزفن بعد محاولات إجهاض غير آمنة. هذا يعني أن غياب الرعاية الطبية والقانونية لا يمنع الإجهاض، بل يدفع النساء إلى طرق أكثر خطورة تهدد حياتهن.

ثم تأتي مشكلة الهوية القانونية للأطفال. فالحصول على شهادات ميلاد للأطفال المولودين نتيجة الاغتصاب يصبح عقبة أساسية، ومن دونها يُحرم الطفل من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية. هنا تتضح خطورة الأزمة طويلة الأمد: فهؤلاء الأطفال، الذين لا ذنب لهم في ظروف ولادتهم، قد يجدون أنفسهم خارج الاعتراف القانوني والاجتماعي. إنهم يولدون في الهامش، وقد يُجبرون على العيش فيه.

تقرير الوكالة الفرنسية للصحافة يكشف أيضاً مفارقة قاسية: بعض العائلات تستغل النزوح لإخفاء حقيقة الولادة بعيداً عن أعين الجيران، بينما تتخلى عائلات أخرى عن الأطفال أو تدفع بناتها إلى الإجهاض غير الآمن. وفي حالات أكثر مأساوية، يُنظر إلى الطفل بوصفه “ابن الدعامة”، أي امتداداً للجاني لا ضحية مستقلة. هذا التصنيف الاجتماعي يختزل الطفل في أصل الجريمة، ويمحو إنسانيته قبل أن تبدأ حياته.

في النهاية، تكشف هذه الشهادات أن الحرب في السودان  تُخاض  بالرصاص والقصف، وأيضاً عبر أجساد النساء وذاكرة الأطفال. والعدالة هنا ينبغي أن  تعني  محاسبة الجناة، وكذلك بناء منظومة حماية متكاملة: رعاية نفسية للناجيات، خدمات صحية آمنة، إجراءات قانونية واضحة لتسجيل الأطفال، ومواجهة مجتمعية شجاعة لوصمة الاغتصاب.

فالأطفال الذين وُلدوا من هذه الجرائم لاينبغي اعتبارهم عارا على أمهاتهم، وإنما عاراً على الحرب ومن ارتكبها ومن صمت عنها. وكما قالت نسمة عن ابنها: “يستحق أن يعيش حياة كريمة”. هذه الجملة يجب أن تكون أساس أي استجابة إنسانية وقانونية مقبلة في السودان.

المصدر: الوكالة الفرنسية للصحافة

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع