عَقد من الفشل في حماية الأطباء والمرضى
الأضرار خارج مستشفى الشفاء في غزة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي من المجمع الذي يضم المستشفى في 1 أبريل/نيسان 2024، أثناء حرب إسرائيل على غزة. أرشيف . (تصوير: وكالة الصحافة الفرنسية)
بعد عشر سنوات على اعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2286، الذي كان يُفترض أن يعزز حماية الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة، يأتي بيان مشترك صادر عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الصحة العالمية وأطباء بلا حدود ليحمل رسالة صادمة: ما تحقق ليس إنجازا، بل فشل واضح في حماية أحد أكثر القطاعات حساسية في أوقات الحرب.
فالبيان، الذي صدر بمناسبة الذكرى العاشرة للقرار، لا يكتفي بتقييم الوضع، بل يعلن بوضوح أن الظروف اليوم أسوأ مما كانت عليه قبل عقد. وهذا التقييم لا يعكس مجرد تدهور في الأرقام، بل يشير إلى تحول خطير في طبيعة النزاعات، حيث لم تعد المرافق الصحية محمية كما يفترض القانون الدولي الإنساني، بل أصبحت في كثير من الأحيان أهدافا مباشرة أو غير مباشرة للعنف.
من الحماية إلى الاستهداف
ينص القانون الدولي الإنساني على ضرورة حماية المنشآت الطبية والعاملين فيها، باعتبارهم جزءا من الفئة المدنية التي يجب تحييدها عن النزاعات. لكن الواقع الذي يصفه البيان يكشف عكس ذلك تماما. فالمستشفيات تُدمّر، وسيارات الإسعاف تُعطّل أو تُمنع من الوصول، والأطباء والممرضون يُصابون أو يُقتلون أثناء أداء واجبهم. هذه الممارسات لا تقتصر على مناطق نزاع بعينها، بل أصبحت نمطًا متكررًا في عدد من الأزمات حول العالم. وهو ما يجعل المسألة تتجاوز كونها انتهاكات فردية، لتصبح مؤشرا على تراجع الالتزام بالقواعد الأساسية للحرب.
الأثر الإنساني لهذا التدهور عميق ومباشر. فحين تُقصف المستشفيات أو تُغلق، لا يفقد المرضى مكان العلاج فقط، بل يفقدون فرصة النجاة. يموت أشخاص من إصابات كان يمكن علاجها، وتُجبر النساء على الولادة دون رعاية طبية، وتُحرم مجتمعات كاملة من الخدمات الصحية الأساسية. وهنا تتحول الرعاية الصحية من حق إنساني أساسي إلى ضحية أخرى للحرب.
أزمة إنسانية في جوهرها
يشير البيان إلى أن استهداف الرعاية الصحية لا يمثل فقط أزمة إنسانية، بل “أزمة إنسانية في جوهرها”. هذا الوصف يحمل دلالة عميقة، إذ يعكس انهيار منظومة القيم التي يُفترض أن تحكم سلوك الأطراف المتحاربة. فحين تصبح المستشفيات أهدافا، لا يعود الحديث فقط عن انتهاك قانوني، بل عن تراجع في مفهوم الإنسانية ذاته. كما أن هذا الاستهداف يُعد مؤشرا مبكرا على تفكك القواعد التي تهدف إلى الحد من أضرار الحرب. فالرعاية الصحية تمثل أحد آخر الخطوط التي يُفترض أن تبقى محمية، وعندما يتم تجاوزها، فإن ذلك يعني أن النزاع دخل مرحلة أكثر خطورة، حيث تتلاشى الحدود بين الأهداف العسكرية والمدنية.
ورغم وضوح القواعد القانونية، يبرز في البيان عنصر أساسي يفسر استمرار الانتهاكات: غياب الإرادة السياسية. فالقانون الدولي الإنساني لا يفتقر إلى النصوص أو المبادئ، بل إلى التنفيذ الفعلي. ويؤكد البيان أن المشكلة ليست في القانون، بل في عدم التزام الدول والأطراف المتحاربة بتطبيقه. هذا يتجلى في استمرار الإفلات من العقاب، وضعف التحقيق في الهجمات على المرافق الصحية، وعدم اتخاذ إجراءات رادعة. كما أن بعض الدول لا تكتفي بعدم الامتثال، بل تفشل أيضا في استخدام نفوذها للضغط على أطراف أخرى للالتزام بالقواعد.
خارطة طريق واضحة لكن دون تنفيذ
من النقاط المهمة التي يبرزها البيان أن الحلول ليست غائبة. فالتوصيات التي رافقت قرار مجلس الأمن 2286، إضافة إلى قرارات أخرى مثل قرار جمعية الصحة العالمية رقم 65.20، توفر إطارا واضحا يمكن للدول اتباعه لتعزيز حماية الرعاية الصحية.
تشمل هذه التوصيات:
- دمج حماية الرعاية الصحية في العقيدة العسكرية وقواعد الاشتباك
- تعزيز القوانين الوطنية ذات الصلة
- تخصيص موارد كافية لحماية القطاع الصحي
- إجراء تحقيقات شفافة في الانتهاكات
- تحسين آليات التوثيق والإبلاغ
لكن المشكلة تكمن في أن هذه الإجراءات، رغم وضوحها، لم تُنفذ بالشكل الكافي.
التوثيق والمساءلة: الحلقة المفقودة
يلعب التوثيق دورا أساسيا في بناء المساءلة، وهو ما يشير إليه البيان عند الحديث عن أهمية تعزيز الإبلاغ الشفاف والمتسق عن الهجمات على الرعاية الصحية. فبدون بيانات دقيقة، يصبح من الصعب إثبات الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها. كما أن ضعف المساءلة يشجع على تكرار هذه الهجمات، حيث يدرك الجناة أنهم لن يواجهوا عواقب حقيقية. وهذا ما يساهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب.
في ختام البيان، توجه المنظمات الثلاث نداء واضحا إلى قادة العالم لاتخاذ إجراءات عاجلة. فالوضع الحالي لا يمكن أن يستمر دون عواقب خطيرة على المستوى الإنساني والقانوني. يحمل البيان رسالة أساسية هي أن حماية الرعاية الصحية ليست خيارا، بل التزام قانوني وأخلاقي. وإذا استمر تجاهل هذا الالتزام، فإن الحروب لن تدمّر البنية التحتية فقط، بل ستقوّض أيضا الأسس التي يقوم عليها النظام الدولي.
بعد عشر سنوات على قرار مجلس الأمن 2286، لا تزال الرعاية الصحية في النزاعات المسلحة عرضة للاستهداف، ليس بسبب غياب القواعد، بل بسبب غياب الإرادة لتطبيقها. وفي عالم تتزايد فيه النزاعات وتعقيداتها، يبقى السؤال المطروح:
هل يمكن إعادة الاعتبار لحرمة الرعاية الصحية، أم أنها ستظل إحدى أبرز ضحايا الحروب الحديثة؟
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
