رياض الأطفال.. سلاح صيني لطمس اللغة والهوية التبتية
مشهد لحجاج بوذيين وسياح يشاهدون رسومات لبوذا على أحد تلال لاسا في مهرجان سنوي تقليدي بالتبت (الأوروبية)
في رياض الأطفال المنتشرة فوق الهضاب العالية في إقليم التبت، بات صوت المعلم وهو يلقن الأطفال الصغار كلماتهم الأولى بالماندرين يطغى شيئا فشيئا على لغة الأهل والبيوت والصلوات.
خلال سنوات قليلة، تحوّل هذا الفضاء المبكر -الذي كان آخر معقل للتعليم بالتبتية- إلى واجهة لسياسة لغوية وثقافية أكثر مركزية، تستهدف الجيل الأصغر قبل أن تتشكل هويته بالكامل.
هذا التحول ليس عرضيا ولا معزولا، بل هو جزء من مسار أوسع ترصده منظمة “هيومن رايتس ووتش”، التي ترى أن الحكومة الصينية تسعى، عبر التعليم قبل المدرسي، إلى تسريع دمج التبتيين قسرا في هوية وطنية تتمحور حول قومية الهان، على حساب لغتهم وثقافتهم.
طفولة مستهدفة
ففي تقرير جديد يحمل عنوان “استخدام الصين لرياض الأطفال لدمج التبتيين”، تسلط المنظمة الضوء على توجيه أصدرته وزارة التعليم الصينية عام 2021، يفرض استخدام اللغة الصينية القياسية في مرحلة ما قبل المدرسة، حتى في المناطق ذات الأغلبية التبتية.
ورغم أن النص الرسمي يسمح نظريا بحصص إضافية بلغات الأقليات، فإن التطبيق على الأرض -بحسب التقرير- جرّد المجتمعات المحلية من أي سلطة فعلية لتنظيم تعليم منهجي بلغتها الأم، وقاد إلى تقييد شديد للتعليم باللغة التبتية في مرحلة حاسمة من عمر الطفل.
التطورات الحالية تُقرأ في سياق مسار ممتد منذ قانون الحكم الذاتي الإقليمي لعام 1984، الذي نصّ في ظاهره على احترام خصوصية الأقليات، بينما اتجه التطبيق تدريجيا إلى توحيد لغة التدريس.
وترصد هيومن رايتس ووتش خمس مراحل رئيسية جرى فيها تضييق مساحة التعليم باللغة الأم في مناطق الأقليات، مع توسيع استخدام الصينية في التعليم الابتدائي والثانوي. وبعد اكتمال هذا التحول في المراحل الأعلى، ظلت رياض الأطفال آخر فضاء تُستخدم فيه التبتية كلغة رئيسية للتعليم، قبل أن تغلق خطة 2021 هذه النافذة.
هندسة هوية
على مستوى التجربة اليومية، يوثّق التقرير شهادات تبتيين عن التحولات اللغوية التي طرأت على أطفالهم بعد الالتحاق بهذه المؤسسات.
تفيد عائلات بأن أبناءها يعودون من رياض الأطفال أقل رغبة -أو أقل قدرة- على استخدام التبتية حتى داخل المنزل، وأن بعضهم يتحول إلى التحدث بالصينية فقط خلال أسابيع أو أشهر.
هذا التحول لا يُقرأ فقط كمسألة لغة تواصل، بل كأداة لإعادة تشكيل وعي الطفل وعلاقته بأسرته ومجتمعه وثقافته، في مرحلة عمرية يكون فيها شديد القابلية للتأثر بنموذج المدرسة ومعاييرها.
رغم أن التعليم قبل المدرسي غير إلزامي رسميا في الصين، يشير التقرير إلى أنه بات إلزاميا بحكم الأمر الواقع في العديد من المناطق التبتية، فمدارس ابتدائية في المدن تشترط إبراز ما يثبت الالتحاق برياض الأطفال لقبول التلاميذ.
في ظل غياب بدائل واقعية تعتمد التبتية في التدريس، يجد الأهالي أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما حرمان الطفل من مسار التعليم الرسمي، أو إرساله إلى مؤسسات تعتمد الصينية لغة وحيدة للتعليم والتقييم، ما يعمق إحساسا بأن الهوية اللغوية المحلية ليست مسارا ممكنا للنجاح.
ولا تتوقف السياسات عند أبواب رياض الأطفال. تقول هيومن رايتس ووتش إن السلطات تطلب من هذه المؤسسات تشجيع الأهالي أو حتى الضغط عليهم لاستخدام الصينية في المنزل، وإن بعض رياض الأطفال تُطالب بتقديم مقاطع فيديو تُظهر الأطفال وهم يتحدثون الماندرين في بيوتهم.
ويشير التقرير إلى أن مُقيّمين تعيّنهم الدولة يختبرون مهارات الأطفال في الصينية عبر مقابلات وملاحظات مباشرة، رغم وجود لوائح رسمية تحظر الامتحانات والضغط الأكاديمي في مرحلة ما قبل المدرسة، بما يحوّل تعلم اللغة إلى عملية مراقبة تمتد من الصف إلى المنزل.
تعليم مؤدلج
ليست اللغة وحدها محور التحول. فالمناهج في رياض الأطفال، بحسب ما يوثقه التقرير، تركز على “التربية الوطنية” وغرس الولاء للحزب الشيوعي الصيني، وتعريف الأطفال أولا بهويتهم كجزء من “الأمة الصينية”.
يتضمن هذا التوجه الاحتفاء بالأعياد الصينية، وتلاوة نصوص كلاسيكية باللغة الصينية، وإنشاد الأناشيد الوطنية، والمشاركة في أنشطة تمجّد الجيش والتاريخ الثوري للدولة. في المقابل، تكاد تغيب البوذية التبتية والممارسات الثقافية التبتية عن هذه المناهج، ما يعني أن الطفل التبتي يتلقى سردية واحدة للتاريخ والهوية والرموز، لا تعكس تعددية واقعه المحلي.
وفي قراءة نقدية لهذه السياسات، تقول مايا وانغ، نائبة مدير قسم آسيا في هيومن رايتس ووتش، إن استهداف أطفال رياض الأطفال يسرّع “حملة لحرمان الأطفال التبتيين من لغتهم الأم وثقافتهم هويتهم”، مؤكدة أن الأمر “ليس مسألة تحسين جودة التعليم، بل يتعلق بدمج التبتيين قسرا في هوية وطنية تتمحور حول قومية الهان”.
من زاوية قانونية، ترى المنظمة أن السياسات الحالية تتعارض مع التزامات الصين بموجب القانون الدولي، وخاصة اتفاقية حقوق الطفل التي تضمن للأطفال المنتمين إلى أقليات قومية أو إثنية الحق في استخدام لغتهم الخاصة، وتُلزم الدول بأن توافق عمليتها التعليمية مع هويتهم الثقافية.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
