حرية التعبير تتدهور والتضليل الرقمي يتوسع
شعار اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026
حذّرت اليونسكو من تدهور هيكلي متسارع في منظومات المعلومات وحرية التعبير عالميا، مؤكدة أن العالم يشهد تراجعا غير مسبوق في سلامة الصحفيين واستقلالية الإعلام، بالتزامن مع تصاعد النزاعات المسلحة والتضليل الرقمي والضغوط السياسية والاقتصادية على المؤسسات الإعلامية.
جاء ذلك في خطاب ألقته ماريا غابرييل، مساعدة المدير العام للاتصال والمعلومات باليونسكو خلال افتتاح المؤتمر العالمي لليوم العالمي لحرية الصحافة 2026 في العاصمة الزامبية لوساكا، حيث أكدت أن حرية التعبير “ليست مجرد قيمة ديمقراطية، بل بنية تحتية غير مرئية لا غنى عنها لبقاء المجتمعات واستقرارها.”
وأوضحت اليونسكو أن اختيار أفريقيا لاستضافة المؤتمر لم يكن مصادفة، مشيرة إلى أن القارة كانت ولا تزال في قلب النقاشات المتعلقة بحرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، منذ إعلان ويندهوك عام 1991 الذي دعا إلى صحافة أفريقية مستقلة وتعددية، وصولا إلى إعلان ويندهوك +30 الذي اعتبر المعلومات “منفعة عامة.” واعتبرت المنظمة أن أفريقيا تمثل اليوم مختبرا عالميا للتحديات المرتبطة بالمعلومات، بما في ذلك التضليل الرقمي والفجوة الرقمية، لكنها في الوقت ذاته تقدم حلولا وتجارب يمكن البناء عليها عالميا.
تراجع عالمي غير مسبوق
وكشفت اليونسكو عن أرقام وصفتها بالمقلقة، مشيرة إلى أن حرية التعبير العالمية انخفضت بنسبة 10% منذ عام 2012، وهو تراجع قارنته المنظمة بفترات عدم الاستقرار الكبرى في القرن العشرين، مثل الحربين العالميتين والحرب الباردة. كما سجلت المنظمة:
- ارتفاعا بنسبة 48% في محاولات السيطرة على الإعلام أو تقييده
- وارتفاعا بنسبة 63% في الرقابة الذاتية بين الصحفيين
وأرجعت اليونسكو هذه الظاهرة إلى:
- التهديدات الجسدية
- الضغوط الاقتصادية
- الملاحقات القضائية التعسفية
- والتحرش الرقمي
الصحفيات الأكثر تعرضا للهجمات الرقمية
وسلط الخطاب الضوء على تصاعد العنف الرقمي ضد النساء العاملات في الإعلام، مشيرا إلى دراسة أُجريت عام 2025 بالتعاون مع المركز الدولي للصحفيين وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
ووفق الدراسة:
- تعرضت 75% من الصحفيات للعنف الرقمي
- وأكدت 42% منهن أن هذه الهجمات الإلكترونية أدت إلى تهديدات أو اعتداءات على أرض الواقع
ووصفت اليونسكو هذه الأرقام بأنها مقلقة للغاية، خاصة مع تضاعف النسبة خلال خمس سنوات فقط.
الصحفيون في مناطق النزاع: أهداف مباشرة
وأكدت المنظمة أن تصاعد النزاعات المسلحة ساهم بشكل مباشر في زيادة استهداف الصحفيين، لأنهم “يشهدون على حقائق يفضّل كثيرون إخفاءها”.
ووفق بيانات اليونسكو:
- قُتل 93 صحفيا في عام 2025
- بينهم 60 صحفيا في مناطق نزاع
وهو أعلى رقم يُسجل منذ عام 2018. كما أشارت المنظمة إلى ظهور “أشكال جديدة من الاستهداف”، بما في ذلك الهجمات بالطائرات المسيّرة. ورغم تراجع نسبة الإفلات من العقاب من 95% إلى 85% خلال السنوات الأخيرة، أكدت اليونسكو أن النسبة لا تزال مرتفعة بشكل غير مقبول.
التضليل الرقمي والذكاء الاصطناعي
وحذرت المنظمة من تصاعد مخاطر التضليل الإعلامي والتلاعب بالمعلومات، معتبرة أن هذه الظاهرة أصبحت من أخطر التهديدات العالمية. وأشارت إلى أن:
- 1.5 مليار شخص حصلوا على إمكانية الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي وخدمات المراسلة بين 2020 و2025
- بينما يستخدم 40% من المستخدمين الذكاء الاصطناعي لإنشاء أو تعديل محتوى يتم تداوله على الإنترنت
واعتبرت اليونسكو أن غياب الشفافية والمساءلة في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي يفاقم أزمة الثقة بالمعلومات. كما حذرت من التأثير الاقتصادي المتزايد للمنصات الرقمية، مشيرة إلى أن أكثر من 54% من عائدات الإعلانات العالمية أصبحت تذهب إلى المنصات الرقمية، ما يضعف وسائل الإعلام المستقلة التي تشكل ركيزة أساسية للتعددية والمساءلة.
دعم الصحفيين في مناطق الحرب
وأكدت اليونسكو أنها وسعت برامجها لدعم الصحفيين في مناطق النزاع والأزمات، موضحة أنها قدمت منذ عام 2022 مساعدات طارئة لأكثر من 3000 صحفي.
ففي أوكرانيا:
- دعمت المنظمة 40 مؤسسة إعلامية بمعدات طاقة
- وقدمت معدات مهنية لـ150 غرفة أخبار
وفي غزة:
- وفرت دعما ماليا لـ100 صحفي
- ووزعت مئات مجموعات التغطية الصحفية
- وأنشأت مركز تضامن للصحفيين
أما في السودان:
- دعمت نقل أكثر من 80 صحفيا
- وافتتحت مركزا إعلاميا للصحفيين السودانيين في المنفى بالعاصمة الكينية نيروبي
ودعت اليونسكو إلى تطوير أطر حوكمة جديدة للمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي تستند إلى حقوق الإنسان، والشفافية، والمصلحة العامة. كما شددت على أهمية تعزيز التربية الإعلامية والمعلوماتية لمواجهة التضليل والاستقطاب، مؤكدة أنها تعمل مع الاتحاد الأفريقي لتطوير إطار قاري لنزاهة المعلومات والتربية الإعلامية.
الصحافة تصنع السلام
وفي الختام ، أكدت اليونسكو أن “السلام يُبنى على الثقة والوصول إلى معلومات موثوقة”، مضيفة أن المجتمعات التي تمتلك صحافة مستقلة وموثوقة تكون أكثر قدرة على الحوار وأقل عرضة للعنف. وقالت ماريا غابرييل، مساعدة المدير العام للاتصال والمعلومات مؤكدة في نهاية خطابها: “الصحافة تصنع السلام ليست مجرد شعار، بل حقيقة عملية وخيار سياسي يعترف بأن الصحافة الحرة والمستقلة هي حجر الأساس لمجتمعات مستقرة وسلم دائم.”
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
