الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

محاكمة زياد الهاني: تقلص حرية الصحافة بتونس

7 مايو, 2026
الصحفي التونسي زياد الهاني عُرف بنقده لأغلب الحكومات منذ ثورة 2011 (الجزيرة-أرشيف)

الصحفي التونسي زياد الهاني عُرف بنقده لأغلب الحكومات منذ ثورة 2011 (الجزيرة-أرشيف)

تعيد قضية الصحفي التونسي البارز زياد الهاني النقاش مجددا بشأن مستقبل حرية الصحافة والتعبير في تونس، في وقت تتزايد فيه المخاوف الحقوقية من اتساع نطاق الملاحقات القضائية ضد الصحفيين والمعارضين والنشطاء منذ التحولات السياسية التي شهدتها البلاد عام 2021.

فالقضية، التي وصفها مركز الخليج لحقوق الإنسان بأنها “انتهاك واضح لحرية التعبير”، لا تُقرأ فقط باعتبارها ملاحقة فردية لصحفي بسبب منشور أو رأي، بل باعتبارها مؤشرا على تحوّل أوسع في علاقة السلطة بالإعلام المستقل والنقد العام.

بحسب المعطيات التي نشرتها منظمات حقوقية وتقارير إعلامية، أُوقف زياد الهاني بعد انتقاده قرارا قضائيا يتعلق بصحفي آخر، وذلك إثر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي. وتم التحقيق معه بموجب الفصل 86 من مجلة الاتصالات، وهو نص قانوني كثيرا ما تعرض لانتقادات بسبب استخدامه ضد حرية التعبير والتعبير الرقمي.

وترى منظمات حقوقية  مثل لجنة حماية الصحفيين أن اللجوء إلى قوانين جنائية أو متعلقة بالجرائم الإلكترونية لمحاكمة الصحفيين يمثل تجاوزًا للمراسيم القانونية الخاصة بالإعلام، التي تنص على أن الصحفيين يجب أن يُحاكموا ضمن إطار قانون الصحافة والنشر، لا القوانين الجنائية العامة.

ولا تبدو القضية معزولة عن سياق أوسع. فالهاني سبق أن تعرض لملاحقات قضائية في السنوات الأخيرة بسبب تصريحاته الإعلامية، كما أن صحفيين آخرين يواجهون بدورهم أحكامًا أو تهديدات بالملاحقة، ما يعزز الانطباع بأن تونس تشهد مرحلة جديدة من التضييق على الأصوات الناقدة.

من استثناء ديمقراطي إلى أزمة حريات

بعد ثورة 2011، اعتُبرت تونس لسنوات “الاستثناء الديمقراطي” في المنطقة العربية، وشهدت البلاد توسعا ملحوظا في حرية التعبير وحرية الإعلام مقارنة بفترة ما قبل الثورة. لكن هذا المسار بدأ يتغير تدريجيا، خصوصا منذ عام 2021 عندما اتخذ الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية شملت تعليق البرلمان والحكم بالمراسيم، ثم لاحقا إعادة هيكلة السلطة القضائية.

وتقول منظمات حقوقية إن هذه الإجراءات أدت إلى إضعاف الضمانات الديمقراطية، وفتحت المجال أمام توسع استخدام القضاء والقوانين الأمنية ضد الصحفيين والمعارضين والنشطاء. بينما تؤكد السلطات التونسية أن هذه الخطوات تهدف إلى مكافحة الفساد وحماية الدولة، وأن الحريات ما تزال مضمونة. لكن منتقدي السلطة يرون أن الخط الفاصل بين حماية الدولة وتقييد الحريات أصبح أكثر هشاشة، خاصة مع تزايد القضايا المتعلقة بمنشورات على الإنترنت أو تصريحات إعلامية.

الأمن الرقمي والقوانين

تُظهر قضية زياد الهاني كيف أصبحت القوانين المرتبطة بالفضاء الرقمي أداة مركزية في التعامل مع حرية التعبير. فمن خلال استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية أو الاتصالات، يمكن توسيع مفهوم “الجريمة” ليشمل الرأي أو النقد أو التعليق السياسي. هذا النمط لا يقتصر على تونس فقط، بل يُلاحظ في عدة دول عربية، حيث تُستخدم مفاهيم مثل:

  • الأمن القومي
  • نشر الأخبار الكاذبة
  • الإساءة للمؤسسات
  • الإضرار بالمصلحة العامة

كمبررات قانونية لملاحقة الصحفيين والنشطاء.

لكن الخطر الأكبر، وفق منظمات حقوقية، لا يكمن فقط في الأحكام القضائية، بل في “الأثر الردعي” لهذه القضايا، حيث تدفع الصحفيين إلى الرقابة الذاتية وتجنب تناول الموضوعات الحساسة خوفا من الملاحقة.

تصاعد الضغوط على المجتمع المدني

تزامنت قضية الهاني مع تطورات أخرى أثارت قلقا واسعا، بينها تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، إحدى أقدم المنظمات الحقوقية في المنطقة العربية وأفريقيا، ما دفع مراقبين إلى الحديث عن تضييق متزايد على المجتمع المدني ككل.

كما تواجه مؤسسات إعلامية مستقلة ومنظمات حقوقية ضغوطا قانونية وإدارية متزايدة، في وقت تتحدث فيه تقارير دولية عن تراجع المساحة المتاحة للأصوات المستقلة في البلاد. ويرى مراقبون أن استهداف الإعلام والمجتمع المدني معا يعكس تحولا في طبيعة المشهد العام، حيث لم يعد الضغط يقتصر على المعارضة السياسية التقليدية، بل امتد إلى المؤسسات التي تلعب دورا رقابيا أو حقوقيا.

الصحافة كقضية سياسية

تكشف قضية زياد الهاني أيضا عن تحول الصحافة من مهنة رقابية إلى قضية سياسية بحد ذاتها. فكل ملاحقة لصحفي بسبب رأي أو منشور تُرسل رسالة أوسع إلى الوسط الإعلامي مفادها أن الحدود المسموح بها في التعبير أصبحت أضيق.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم ليس فقط: هل سيتم الإفراج عن الصحفي أو إسقاط التهم؟ بل: ما هو تأثير هذه القضايا على البيئة الإعلامية ككل؟ فالصحافة لا تُقاس فقط بعدد الصحفيين المعتقلين، بل أيضًا بقدرة الإعلاميين على العمل بحرية دون خوف دائم من العقوبات أو الملاحقات.

تمثل قضية زياد الهاني لحظة حساسة في المسار التونسي. فبينما تؤكد السلطات أنها تطبق القانون وتحمي مؤسسات الدولة، ترى المنظمات الحقوقية أن ما يحدث يمثل تراجعا خطيرا عن المكاسب التي تحققت بعد الثورة. وفي ظل تصاعد القلق الدولي، تبدو تونس اليوم أمام مفترق طرق: إما الحفاظ على ما تبقى من فضاء حر للإعلام والمجتمع المدني، أو الانزلاق نحو نموذج تُدار فيه حرية التعبير عبر القضاء والقوانين الأمنية. وفي النهاية، تبقى قضية زياد الهاني أكبر من قضية صحفي واحد؛ إنها اختبار لمستقبل حرية التعبير في تونس نفسها.

 

المصادر:

مركز الخليج لحقوق الإنسان

لجنة حماية الصحفيين

وكالة رويترز

واشنطن بوست

 

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع