التشهير والإساءة الجنسية تلاحق الصحفيات اليمنيات
مع انتقال جزء كبير من النشاط الإعلامي والنقاش العام إلى المنصات الرقمية، انتقلت معه أدوات الترهيب والاستهداف، لتصبح وسائل التواصل الاجتماعي مساحة جديدة لممارسة الضغط على الصحفيات ومحاولة إسكاتهن. لم تعد المخاطر التي تواجه الصحفيات اليمنيات مرتبطة فقط بالعمل الميداني أو الاعتقال والملاحقات الأمنية.
كشف تقرير حديث لمرصد الحريات الإعلامية في اليمن “مرصدك” عن توثيق 19 حالة عنف رقمي استهدفت صحفيات وإعلاميات خلال النصف الأول من عام 2026، في مؤشر على أن الفضاء الرقمي أصبح امتداداً للقيود التي تواجهها النساء العاملات في الإعلام. وقد تعامل المرصد مع هذه الحالات ضمن مسار توثيق مستقل عن الانتهاكات العامة الـ42 التي سجلها ضد حرية الإعلام خلال الفترة نفسها.
تفاصيل الحالات الـ19 تظهر أن العنف الرقمي لا يتخذ شكلاً واحداً، إذ قد تتعرض الصحفية في الواقعة نفسها لأكثر من نوع من الانتهاك. بحسب التقرير، جاء العنف اللفظي والتشهير في مقدمة الانتهاكات، وظهرا في 14 حالة من أصل 19، أي في نحو 74% من الحالات الموثقة. كما سجل المرصد ثماني حالات من العنف الجنسي الرقمي، بما يعادل نحو 42% من الحالات.
وسجل أيضاً خمس حالات اعتداءات تقنية وخمس حالات من العنف المنسق أو المنهجي، إضافة إلى ثلاث حالات تضليل واستخدام محتوى مفبرك، وثلاث حالات لانتهاك الخصوصية الرقمية، وحالة واحدة من الابتزاز الإلكتروني. وبما أن الحالة الواحدة قد تجمع أكثر من انتهاك، فلا يمكن جمع هذه الأرقام باعتبارها ضحايا منفصلة.
من انتقاد العمل إلى استهداف المرأة
لكن اللافت في نتائج التقرير ليس عدد الاعتداءات وحده، وإنما طبيعة الخطاب المستخدم ضد الصحفيات. ففي 12 من الحالات الموثقة، تعرضت الصحفيات لاتهامات سياسية أو بالتخوين، وفي 12 حالة أيضاً تضمنت الهجمات إساءات مرتبطة بالنوع الاجتماعي. كما سجل التقرير 11 حالة طعن في السمعة أو الشرف وتسع حالات تشهير أخلاقي أو اجتماعي.
تكشف هذه الأرقام عن اختلاف مهم في الطريقة التي يمكن أن تتعرض بها المرأة الصحفية للهجوم. فالاستهداف قد يبدأ بسبب تقرير صحفي أو موقف سياسي، لكنه سرعان ما ينتقل من مناقشة مضمون ما نشرته الصحفية إلى حياتها الخاصة وسمعتها ومكانتها الاجتماعية، وأحياناً إلى الإساءة الجنسية. يخلص التقرير إلى أن السمعة والحياة الخاصة والإساءة الجنسية تُستخدم كأدوات لمعاقبة الصحفيات على حضورهن المهني والعام، وتقويض مصداقيتهن ودفعهن إلى الانسحاب من المجال العام.
وهنا تحديداً يصبح العنف الرقمي قضية تتعلق بحرية الصحافة وحقوق المرأة معاً. فالهدف لا يعود مجرد الرد على رأي أو الاعتراض على تقرير، وإنما رفع الكلفة الشخصية والاجتماعية لممارسة المرأة للعمل الصحفي.
العمل الصحفي والرأي العام
تظهر بيانات المرصد ارتباطاً واضحاً بين العنف الرقمي والنشاط الإعلامي للضحايا. فقد جاء الاستهداف في 14 حالة عقب نشر رأي أو تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما ارتبطت 10 حالات بنشر مادة صحفية أو المساهمة في إعدادها. كما ارتبطت 11 حالة بالظهور العام للصحفية بوصفها امرأة، بينما ارتبطت ثماني حالات بتناول قضايا النساء والنوع الاجتماعي.
تشير هذه المعطيات إلى أن مجرد الحضور العلني للصحفية قد يصبح في حد ذاته عاملاً في استهدافها، خصوصاً عندما تتناول قضايا سياسية أو اجتماعية حساسة أو قضايا مرتبطة بالنساء.
فيسبوك في صدارة منصات الاستهداف
يظهر التقرير الدور المركزي الذي تلعبه منصات التواصل الاجتماعي في هذه الانتهاكات. فقد ظهر فيسبوك في 18 حالة من أصل الحالات الـ19 الموثقة، أي في نحو 95% منها، ليكون بذلك المنصة الأكثر حضوراً في الاعتداءات الرقمية التي رصدها التقرير.
وجاء واتساب في المرتبة الثانية بواقع 10 حالات، بينما توزعت الوقائع الأخرى على منصات وقنوات رقمية مختلفة. وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن الاعتداء لا يبقى بالضرورة في المجال العام. فقد يبدأ بمنشور أو تعليق على فيسبوك ثم ينتقل إلى مجموعات واتساب المغلقة أو الرسائل الخاصة والاتصالات المباشرة. يشير التقرير إلى أن هذا الانتقال بين الفضاء العام والمساحات الرقمية الخاصة يجعل الاستهداف أكثر قدرة على ملاحقة الصحفية خارج حدود عملها المهني.
التلاعب بالصور لاستهداف السمعة
يقدم التقرير حالات فردية توضح كيف يمكن أن يتحول العنف الرقمي إلى أداة تستهدف السمعة والحياة الشخصية. ففي 19 يناير/كانون الثاني 2026، تعرضت الصحفية سارة عبدالرشيد، بحسب المرصد، لحملة تشهير وابتزاز إلكتروني تضمنت التلاعب بصورها الشخصية ودمجها في صور مسيئة ثم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يعتبر المرصد هذه الحالة مثالاً على استخدام المحتوى المفبرك والصور الشخصية لاستهداف سمعة الصحفيات وخصوصيتهن، بحيث لا تتوقف النتائج عند المجال الرقمي وإنما تمتد إلى حياتهن المهنية والاجتماعية. وهذا النوع من الاستهداف يثير مخاوف إضافية مع التطور السريع في أدوات تعديل الصور والذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت عملية إنتاج محتوى مزيف أكثر سهولة، بينما قد يكون الضرر الذي يلحق بالضحية من نشره بالغاً حتى بعد إثبات عدم صحته.
السياسة تتحول إلى هجوم شخصي
وثق المرصد حالة أخرى في 11 أبريل/نيسان 2026 استهدفت الإعلامية حنان فازع بعد ظهورها على قناة “المهرية” في تقرير ذي طابع سياسي. وبدلاً من أن يبقى الجدل متعلقاً بالمحتوى السياسي، تضمنت الحملة، وفق التقرير، اتهامات سياسية وإساءات شخصية ومزاعم مست حياتها الخاصة وسمعتها.
ويرى المرصد أن القضية أظهرت بوضوح تداخل الاستهداف السياسي مع الإساءة القائمة على النوع الاجتماعي. وأعلنت حنان فازع اعتزامها اتخاذ إجراءات قانونية، قبل أن يتراجع عدد من المشاركين في الحملة عن المواد التي نشروها ويقدموا اعتذارات. وهذه الحالة مهمة لأنها تظهر أيضاً الدور المحتمل للمساءلة. فعندما تعلن الضحية استعدادها للجوء إلى القانون، قد لا يبقى الفضاء الرقمي منطقة يعتقد المعتدي أنه يستطيع التحرك فيها من دون عواقب.
عنف قد يؤدي إلى إسكات الصحفيات
الخطر الأكبر الذي يشير إليه التقرير يتعلق بما يحدث بعد الاعتداء. فآثار العنف الرقمي، وفق المرصد، لا تتوقف عند الضرر النفسي أو الشخصي، وإنما يمكن أن تؤثر مباشرة في العمل الصحفي. وقد انعكست بعض الحالات على قدرة الصحفيات على الاستمرار في النشر، أو تناول موضوعات معينة، أو تنفيذ تغطيات ميدانية، أو المشاركة في المجال العام. وهنا يصبح العنف الرقمي شكلاً غير مباشر من أشكال الرقابة. فإذا دفعت حملة تشهير صحفية إلى عدم تناول موضوع سياسي معين، أو جعلت صحفية أخرى تخشى الكتابة عن حقوق النساء، فإن الاعتداء يكون قد حقق هدفاً يتجاوز الضحية نفسها.
بل يحذر التقرير من “أثر ردعي” قد يمتد إلى صحفيات أخريات. فالمرأة التي تشاهد زميلة لها تتعرض للتشهير الجنسي أو التلاعب بصورها أو الطعن في شرفها بسبب عملها قد تفكر مرتين قبل تناول القضية نفسها. وهذا يمس، وفق التقرير، حرية التعبير والخصوصية والمساواة في المشاركة في المجال الإعلامي.
الأرقام قد تكون أكبر
ومع ذلك، من المهم التعامل مع الحالات الـ19 باعتبارها الحد الذي تمكن المرصد من توثيقه، وليس بالضرورة الحجم الحقيقي للظاهرة. يوضح التقرير أن منهجيته اعتمدت على مقابلات مع الضحايا وأسرهم والشهود والمحامين، إلى جانب الوثائق والقرارات والبيانات الرسمية والمصادر المفتوحة والمحتوى المنشور رقمياً. كما يقول إن الحالات التي لا تتوافر بشأنها معلومات كافية للتحقق لا تدخل في الإحصاءات المعتمدة.
وفي حالة العنف الرقمي تحديداً، تزداد صعوبة تحديد المسؤولية بسبب استخدام حسابات مجهولة أو وهمية وصعوبة معرفة مصدر بعض الهجمات. ولهذا السبب فصل المرصد حالات العنف الرقمي ضد الصحفيات عن الإحصائية العامة للانتهاكات وحللها كمسار مستقل.كما يشير التقرير بصورة أوسع إلى إحجام بعض الضحايا والأسر عن الإبلاغ بسبب الخوف من الانتقام أو الملاحقة أو الوصم الاجتماعي. وبالتالي، لا ينبغي قراءة الرقم 19 على أنه العدد النهائي للاعتداءات التي تعرضت لها الصحفيات اليمنيات خلال ستة أشهر.
حماية الصحفيات جزء من حماية حرية الصحافة
يضع التقرير هذه الحالات ضمن أزمة أوسع للحريات الإعلامية في اليمن. فمنذ عام 2015 وحتى نهاية يونيو/حزيران 2026، وثق المرصد 2,717 انتهاكاً ضد حرية الإعلام، بينها 72 حالة قتل و540 حالة اعتقال تعسفي و320 انتهاكاً استهدف مؤسسات إعلامية. لكن العنف الرقمي ضد النساء يكشف وجهاً مختلفاً للأزمة. فالصحفية لا تُستهدف فقط لأنها صحفية، بل قد تُستهدف أيضاً لأنها امرأة موجودة في المجال العام.
ولهذا دعا التقرير إلى حماية الصحفيات من العنف الرقمي، بينما شددت المناقشات المصاحبة لإطلاقه على أن سلامة الصحفيين لا تعني السلامة الجسدية فقط، وإنما تشمل السلامة الرقمية والحماية القانونية والدعم النفسي. كما دعت إلى توفير دعم قانوني ونفسي ورقمي للصحفيات المعرضات للعنف الإلكتروني. (marsadak.org)
لعل هذه أهم خلاصة تكشفها الأرقام: العنف الرقمي ليس أقل خطورة بالضرورة لأنه يحدث خلف شاشة. عندما يصبح التشهير الجنسي، والتلاعب بالصور، والتهديد، والطعن في السمعة والخصوصية أدوات لدفع الصحفية إلى الصمت، فإن القضية لم تعد مجرد إساءة إلكترونية، وإنما اعتداء على حق المرأة في ممارسة الصحافة والمشاركة في المجال العام.
التقرير الكامل لمرصد الحريات الإعلامية في اليمن
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
