أهم تجمع للصحافة ينعقد في أحلك لحظاتها
يونسكو/ اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026 المؤتمر الدولي
في قارة يُعتقل فيها الصحفيون، ويُسكَتون، ويُقتلون مع إفلات شبه تام من العقاب، أصبحت العاصمة الزامبية لوساكا هذا الأسبوع مركزا لأهم نقاش عالمي بشأن مستقبل الصحافة الحرة. يجمع المؤتمر العالمي لليوم العالمي لحرية الصحافة 2026، الذي تشارك في تنظيمه اليونسكو وحكومة زامبيا، صحفيين ومدافعين عن الحقوق الرقمية وصناع سياسات وممثلين عن المجتمع المدني وباحثين وخبراء في التكنولوجيا، لمناقشة كيفية مساهمة الصحافة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان ونزاهة المعلومات في بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود.
ولا يمكن أن يكون توقيت هذا اللقاء أكثر إلحاحا. ففي ظل تزايد النزاعات وانتشار المعلومات المضللة والضغوط على وسائل الإعلام المستقلة، يُذكّر اليوم العالمي لحرية الصحافة بأن الوصول إلى معلومات موثوقة ليس مجرد قضية إعلامية، بل هو أيضا قضية حقوق إنسان، وقضية تنموية، وقضية تتعلق بالسلم والأمن. ينعقد المؤتمر تحت شعار يحمل في طياته طموحًا وقلقًا في آن واحد: “بناء مستقبل يسوده السلام: تعزيز حرية الصحافة من أجل حقوق الإنسان والتنمية والأمن.”
تتضمن قائمة المشاركين في المؤتمر مجموعة من الصحفيين والوزراء ومسؤولي الأمم المتحدة وقادة المجتمع المدني وصناع المحتوى من مختلف أنحاء العالم. وشارك في النقاشات مسؤولون بارزون، من بينهم المدير العام المساعد لليونسكو لقطاع الاتصال والمعلومات، ووزير الإعلام الزامبي، ووكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمستشار الخاص المعني بمنع الإبادة الجماعية، وكبير الاقتصاديين للبنك الدولي في أفريقيا، إلى جانب ممثلين عن شبكة الجزيرة ومعهد الإعلام في جنوب أفريقيا. يعكس هذا التنوع إدراكا متزايدا بأن حرية الصحافة لم تعد قضية تخص العاملين في الإعلام فقط، بل أصبحت مرتبطة ارتباطا وثيقا بالحكم الرشيد والتنمية والأمن.
تكشف البيانات المتعلقة بحرية الصحافة صورة قاتمة. فقد أشار تقرير لليونسكو حول الاتجاهات العالمية لحرية التعبير إلى انخفاض تاريخي بنسبة 10% في حرية التعبير عالميا بين عامي 2012 و2024، وهو تراجع لا يُقارن إلا بفترات حرجة مثل الحربين العالميتين أو ذروة الحرب الباردة.
وخلال الفترة بين يناير 2022 وسبتمبر 2025، سجلت اليونسكو مقتل 310 صحفيين، من بينهم 162 في مناطق النزاع. وفي عام 2025 وحده، قُتل 93 صحفيا، 60 منهم قتلوا في مناطق النزاع. ورغم الالتزامات الدولية بإنهاء الإفلات من العقاب، لا تزال المحاسبة نادرة، حيث انخفضت نسبة الإفلات من العقاب بشكل طفيف فقط من 95% عام 2012 إلى 85% عام 2024، ما يعني أن معظم الجناة لا يُحاسبون.
تراجع عالمي غير مسبوق
أظهر مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود أدنى متوسط عالمي منذ 25 عامًا، مع تصنيف أكثر من نصف دول العالم ضمن فئتي “الصعب” أو “الخطير جدا”. وكان التراجع الأكبر في المؤشر القانوني، ما يعكس تزايد تجريم العمل الصحفي عالميًا. فقد أتقنت الحكومات استخدام القوانين كسلاح، من خلال قوانين التشهير ومكافحة الإرهاب والأمن القومي والتشريعات المالية، لاستهداف الصحفيين الذين يطرحون أسئلة حساسة. وأدى ذلك إلى ارتفاع الرقابة الذاتية بين الصحفيين بنسبة63% منذ عام 2012.
في أفريقيا، تبدو الصورة أكثر حدة. فقد وثّقت منظمة العفو الدولية تصاعد الترهيب والهجمات ضد وسائل الإعلام المستقلة في شرق وجنوب القارة، إلى جانب حجب الإنترنت واستخدام قوانين الأمن السيبراني لتقييد حرية الإعلام.
وفي السودان يبدو الوضع أكثر قتامة. فمنذ اندلاع القتال عام 2023، تم توثيق مقتل 32 صحفيا، ووقوع 556 انتهاكا ضد العاملين في الإعلام، مع تدمير 90% من البنية التحتية الإعلامية، ما حوّل البلاد فعليا إلى “منطقة صمت” يعيش سكانها في فراغ معلوماتي.
استهداف متزايد للصحفيات
يناقش المؤتمر أيضا قضية استهداف الصحفيات بشكل خاص. فقد أظهرت دراسة أن 75% من الصحفيات تعرضن لعنف رقمي أثناء عملهن في عام 2025، فيما قالت 42% منهن إن هذه الهجمات أدت إلى تهديدات أو اعتداءات في الواقع. وأشار تقرير جديد إلى أن هذه الهجمات غالبًا ما تكون منظمة ومتعمدة، وتهدف إلى إسكات النساء وتقويض مصداقيتهن المهنية.
ضمن أجندة المؤتمر أيضا دور الذكاء الاصطناعي، الذي يوفر أدوات قوية للتحقق من المعلومات وتحليل البيانات، لكنه في الوقت ذاته يسهل إنتاج التزييف العميق والانتحال والهجمات الرقمية واسعة النطاق، خاصة ضد الصحفيات. وبشكل عام تدعو اليونسكو الحكومات والمجتمع المدني إلى دعم الصحافة المستقلة، مؤكدة أن أي سياسة للسلام أو الأمن يجب أن تشمل حرية الإعلام ونزاهة المعلومات. وتقارن اليونسكو بين وضعين: حيث تشير إلى أن 15 يوما فقط من الإنفاق العسكري العالمي سنويا كفيلة بتمويل الصحافة ذات المصلحة العامة عالميا لمدة عام كامل.
رغم الصورة القاتمة، هناك مؤشرات إيجابية. فقد حصل 1.5 مليار شخص على إمكانية الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي بين 2020 و2025، وازدهرت الصحافة الاستقصائية العابرة للحدود، كما توسعت مبادرات التحقق من الأخبار. ودعمت اليونسكو أكثر من 2200 قضية قانونية للصحفيين، وساهمت في أكثر من 270 تحقيقا صحفيا، وقدمت دعما طارئا لأكثر من3000 صحفي منذ عام 2022.
يمثل مؤتمر لوساكا امتدادا لإعلان ويندهوك عام 1991 الذي دعا إلى صحافة حرة ومستقلة. وبعد 35 عاما، لا تزال المعركة مستمرة. فالفجوة بين التزامات الحكومات وممارساتها هي المكان الذي تموت فيه حرية الصحافة. وإذا كان لهذا المؤتمر أن يحقق شيئا، فهو وضع بقاء الصحافة المستقلة في قلب أجندة السلام والأمن العالميين.
المصادر:
- اليونسكو، “المؤتمر العالمي لليوم العالمي لحرية الصحافة 2026: بناء مستقبل يسوده السلام”، UNESCO.org، 4 مايو/أيار 2026.
- اليونسكو، “برنامج مؤتمر اليوم العالمي لحرية الصحافة، لوساكا، زامبيا”، UNESCO.org، 4 مايو/أيار 2026.
- اليونسكو، “منح جائزة اليونسكو/غيليرمو كانو لحرية الصحافة لعام 2026 لنقابة الصحفيين السودانيين”، UNESCO.org، 2 مايو/أيار 2026.
- اليونسكو، “تقرير جديد: اليونسكو تحذر من تراجع خطير في حرية التعبير وسلامة الصحفيين عالميًا”، UNESCO.org، مارس/آذار 2026.
- Inter Press Service، “اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026”، IPSnews.net، 1 مايو/أيار 2026.
- مراسلون بلا حدود، “مؤشر حرية الصحافة لعام 2026: حرية الصحافة عند أدنى مستوى منذ 25 عامًا”، RSF.org، 30 أبريل/نيسان 2026.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة، “تضاعف البلاغات للشرطة بشأن العنف الرقمي ضد الصحفيات منذ عام 2020”، UNWomen.org، 30 أبريل/نيسان 2026.
- هيئة الأمم المتحدة للمرأة، “نقطة التحول: آثار العنف الرقمي ومظاهره وسبل معالجته في عصر الذكاء الاصطناعي”، UNWomen.org / The Nerve / ICFJ، أبريل/نيسان 2026.
- منظمة العفو الدولية، “شرق وجنوب أفريقيا: حرية الإعلام تحت الهجوم في ظل إفلات مستمر من العقاب”، Amnesty.org، 2 مايو/أيار 2026.
- OSINT Pulse / NewsMeter، “حرية الصحافة، المراقبة الرقمية، ومعركة الأدلة”، NewsMeter.in، أبريل/نيسان 2026.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
