استهداف منشآت النفط: البيئة ساحة حرب
سحابة دخان داكنة تحيط بمبنى سكني بالقرب من حريق مستمر عقب غارات جوية إسرائيلية شُنت في 7 مارس/آذار 2026 على مصفاة شهران للنفط في شمال غرب طهران، إيران، 8 مارس/آذار 2026.
© 2026 أ ف ب عبر غيتي إيمجز ( الصورة نشرتها هيومن رايتس ووتش)
في حروب إسرائيل الحديثة، لم تعد خطوط المواجهة تقتصر على الجبهات العسكرية أوالمواقع الاستراتيجية التقليدية، بل باتت تمتد إلى عناصر أكثر حساسية واستدامة: البيئة وصحة الإنسان. هذا التحول يتجلى بوضوح في الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نفطية في مناطق حول العاصمة الإيرانية طهران. لا يمكن قراءة هذه الاستهداف بوصفه حدثا عسكريا فقط، بل واقعة تحمل أبعادا قانونية وإنسانية بعيدة المدى.
استهداف مستودعات النفط في مناطق مأهولة بالسكان، حيث يعيش فيها أكثر من 15 مليون شخص، يجعل المدنيين معرضين مباشرة للتلوث، بسبب الحرائق الضخمة التي استمرت عدة أيام متصلة وانبعاث كميات هائلة من المواد السامة في الهواء، ما عرّض ملايين المدنيين لمخاطر صحية مباشرة. لكن الأخطر من ذلك هو ما لا يُرى فورا: الآثار التراكمية للتلوث على المدى الطويل، والتي قد تستمر لسنوات، بل لأجيال.
وفقا للتقارير الحقوقية، فإن هذه الضربات تسببت في انتشار تلوث هوائي كثيف، وظهور ما يُعرف بـ”المطر الأسود”، إلى جانب احتمالات تسرب مواد كيميائية إلى التربة والمياه. هذه العوامل لا تهدد فقط صحة الأفراد بشكل مباشر، من خلال أمراض الجهاز التنفسي أو السرطان، بل تمتد لتطال الأمن الغذائي واستقرار المجتمعات.
من منظور القانون الدولي الإنساني، يطرح هذا النوع من العمليات العسكرية تساؤلات جدية حول مبدأي التناسب والتمييز. فالقانون لا يحظر فقط استهداف المدنيين، بل يفرض أيضا قيودا على العمليات التي قد تسبب أضرارا واسعة وطويلة الأمد للبيئة. وعندما تكون الأضرار المتوقعة — مثل التلوث واسع النطاق — معروفة مسبقا، فإن ذلك يفتح الباب أمام مساءلة قانونية قد تصل إلى تصنيف هذه الأفعال كجرائم حرب.
لكن القضية لا تتعلق فقط بالمساءلة القانونية، بل تتجاوزها إلى إعادة تعريف طبيعة الحرب نفسها. فعندما تصبح البيئة هدفا أو أداة في الصراع، فإن نطاق الضرر يتسع ليشمل مجتمعات بأكملها، حتى تلك البعيدة عن خطوط المواجهة. فالتلوث لا يعترف بالحدود، ويمكن أن ينتقل عبر الهواء والمياه، ما يحوّل الأزمة من محلية إلى إقليمية.
كما أن هذا النمط من الاستهداف يهدد بخلق أزمات إنسانية جديدة، مثل النزوح البيئي، حيث يُجبر السكان على مغادرة مناطق لم تعد صالحة للحياة بسبب التلوث. ومع تزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، قد تتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ما يزيد من هشاشة المجتمعات المتأثرة. في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى التعامل مع القضايا البيئية ليس فقط بوصفها مسألة تنموية، بل بوصفها قضية حقوقية أساسية. فالحق في بيئة صحية وآمنة يُعد جزءا لا يتجزأ من حقوق الإنسان، وأي انتهاك له — خاصة في سياق النزاعات — يجب أن يُواجه بمساءلة واضحة وإجراءات رادعة.
استهداف إسرائيل للمنشآت النفطية والمنشآت المدنية الأخرى يشير إلى تحول خطير في طبيعة النزاعات، حيث لم تعد الحرب تقتل بشكل مباشر فقط، بل تزرع آثارا صامتة تمتد عبر الزمن، وتُثقل كاهل الأجيال القادمة. ومن هنا، فإن الصمت أو التقاعس عن مواجهة هذه الانتهاكات لا يعني سوى ترسيخ نمط جديد من الحروب، تكون فيه البيئة — ومن يعيش عليها — الضحية الأولى.
المصدر: تقرير هيومن رايتس ووتش “إيران: القصف الإسرائيلي على مستودعات النفط يهدد البيئة والصحة.”
الأضرار المتوقعة الناجمة عن هجمات 7 مارس/آذار 2026جرائم حرب محتملة
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
