الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

النساء يدفعن ثمن الدفاع عن الحقوق

22 أبريل, 2026
تحديات تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان بهدف إسكاتهن عن المطالبة بالحقوق.

تحديات تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان بهدف إسكاتهن عن المطالبة بالحقوق.

في عالم تتقلص فيها مساحات الحرية عاما بعد عام، تقف المدافعات عن حقوق الإنسان في مواجهة الانتهاكات، وأيضا في مواجهة منظومة كاملة من الضغوط السياسية والاجتماعية والرقمية. التقرير الأخير الصادر عن مركز الخليج لحقوق الإنسان لا يكتفي بوصف هذه التحديات، بل يقدّم شهادات حيّة تكشف كيف تتحول هذه الضغوط إلى تجارب يومية قاسية.

يحمل التقريرعنوان: “الدفاع عن الحقوق، وتكبّد الأعباء: التحديات المرتبطة بالصحة النفسية للمدافعات عن حقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا” ويركز على تحديات الصحة النفسية التي غالباً ما يتم تجاهلها والتي تواجهها الناشطات في جميع أنحاء المنطقة.

إحدى المدافعات، التي تواصل نشاطها من خارج بلدها، تصف الفضاء الرقمي بأنه “المنفذ الوحيد” للعمل، لكنه في الوقت ذاته مساحة محفوفة بالمخاطر. فهي تعتمد على وسائل التواصل لنقل صوت الضحايا، لكنها تتعرض باستمرار لحملات تشهير وتهديدات، ما يجعل كل منشور خطوة محفوفة بالقلق. هذه التجربة تعكس مفارقة أساسية: الأداة التي تمنح الصوت، قد تتحول أيضا إلى وسيلة لإسكاته.

وفي مثال آخر، تروي مدافعة كيف أن الهجمات الرقمية لم تتوقف عند حدود الإساءة، بل تطورت إلى محاولات منظمة لتشويه سمعتها والتشكيك في دوافعها. هذه الحملات، التي غالبا ما تكون منسقة، لا تستهدف فقط الشخص، بل تسعى إلى تقويض مصداقية العمل الحقوقي ككل. وفي بيئات محافظة، تأخذ هذه الهجمات بُعدا إضافيا، حيث يتم استغلال المعايير والضوابط الاجتماعية للضغط على النساء وإسكاتهن.

ولا تقف التحديات عند الفضاء الرقمي. تشير إحدى الشهادات إلى أن الضغوط الاجتماعية قد تكون أحيانا أكثر قسوة من التهديدات المباشرة. فبعض المدافعات يواجهن رفضا أو تشكيكا من محيطهن القريب، بما في ذلك الأسرة، ما يضعهن أمام خيار صعب بين الاستمرار في العمل أو الحفاظ على علاقاتهن الاجتماعية. هذا النوع من الضغط يعكس الطبيعة المركبة للمخاطر، حيث تتداخل السياسة مع الثقافة الاجتماعية والمجتمع.

تقرير ” الدفاع عن الحقوق، وتكبّد الأعباء” يسلّط الضوء أيضا على الأثر النفسي العميق لهذه التجارب. إحدى المدافعات تصف شعورها الدائم بالتوتر واليقظة، نتيجة الخوف المستمر من المراقبة أو الاستهداف. هذا الضغط النفسي لا يؤثر فقط على حياتها الشخصية، بل ينعكس على قدرتها على الاستمرار في العمل. ومع ذلك، تشير إلى أنها، مثل كثيرات غيرها، لا ترى خيارا آخر سوى الاستمرار.

ورغم هذه التحديات، تكشف القصص عن مستوى لافت من الصمود. فمدافعات كثر يواصلن عملهن، سواء من داخل بلدانهن أو من المنفى، عبر توثيق الانتهاكات، ودعم الضحايا، وبناء شبكات تضامن. إحدى المشاركات في التقرير تؤكد أن العمل الجماعي والدعم المتبادل بين المدافعات يشكّل عاملا حاسما في الاستمرار، خاصة في ظل غياب الحماية الرسمية.

هذه القصص لا تعكس فقط معاناة فردية، بل تكشف عن نمط أوسع من القيود التي تواجه العمل الحقوقي في المنطقة. فكل تجربة شخصية هي جزء من صورة أكبر، حيث يتقلص الفضاء المدني، وتزداد القيود على حرية التعبير، ويتحوّل النشاط الحقوقي إلى عمل محفوف بالمخاطر.

من منظور أوسع، تطرح هذه الشهادات سؤالا جوهريا بشأن مستقبل العمل الحقوقي: ماذا يحدث عندما تصبح كلفة الدفاع عن الحقوق عالية؟ وإذا كانت المدافعات، رغم كل شيء، يواصلن العمل، فإن ذلك لا ينبغي أن يُفهم كدليل على قوة النظام، بل كدليل على هشاشته. لم يعد دعم المدافعات عن حقوق الإنسان مسألة تضامن فقط، بل ضرورة لضمان استمرارية العمل الحقوقي نفسه. فبدون هؤلاء النساء، يضعف توثيق الانتهاكات، وتتراجع المساءلة، ويخسر المجتمع أحد أهم أدواته في الدفاع عن العدالة.

في النهاية، تكشف هذه القصص أن النضال من أجل الحقوق ليس مجرد خطاب أو نشاط، بل تجربة إنسانية معقدة، تحمل في طياتها الخوف والأمل، الضغط والصمود. وهي تذكير بأن الدفاع عن الحقوق يبدأ غالبا بصوت فردي، لكنه لا يستمر إلا إذا وجد من يحميه ويعززه.

المصدر: تقرير مركز الخليج لحقوق الإنسان حول المدافعات عن حقوق الإنسان (2026)

 

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع