Human Rights & Public Liberties

Human Rights & Public Liberties

القائمة البريدية

المساعدة الدولية للتحقيق في جرائم داعش بالعراق.. كيف ومتى؟

تاريخ النشر: 22 نوفمبر, 2020
د. محمد تركي العبيدي، خبير القانون الدولي العراقي، ونائب رئيس لجنة الأمم المتحدة للاختفاء القسري سابقا- (مواقع التواصل الاجتماعي)

د. محمد تركي العبيدي، خبير القانون الدولي العراقي، ونائب رئيس لجنة الأمم المتحدة للاختفاء القسري سابقا- (مواقع التواصل الاجتماعي)

بقلم الدكتور/ محمد تركي العبيدي
خبير في القانون الدولي بالعراق، ونائب رئيس لجنة الأمم المتحدة للاختفاء القسري سابقا

قبل أيام اعتمد مجلس الأمن قراره رقم 2544 لسنة 2020 والذي تم بموجبه تمديد ولاية المستشار الخاص وفريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش لغاية 18 سبتمبر 2021 بناء على طلب الحكومة العراقية , ومن الغريب أن يشير القرار من بين ما أشار اليه أن تهديد داعش مازال مستمرا.

وبموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379 لسنة 2017 تقرر إنشاء فريق تحقيق يرأسه مستشار خاص لدعم جهود العراق في مساءلة تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش) عن طريق جمع وحفظ وتخزين الأدلة في العراق على الأعمال التي قد ترقى لمستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، التي يرتكبها تنظيم داعش في العراق، واستخدام تلك الأدلة أمام المحاكم العراقية، وتعيين فريق من المحققين وقضاة التحقيق العراقيين للعمل مع هذا الفريق الأممي.
إن طلب المساعدة بشان انتهاكات داعش في العراق لم يكن وليد قرار مجلس الأمن 2379 لسنة 2017 , وإنما بدأ بطلب من العراق عبر عدد من أعضاء مجلس حقوق الإنسان، بعقد دورة استثنائية لمجلس حقوق الإنسان.
وقد عقدت الدورة 22 للمجلس في الأول من سبتمبر 2014, وانتهت بقرار إنشاء فريق للتحقيق في تلك الانتهاكات، قدم تقريره إلى الدورة في 28 / مارس 2015 , ونظر مجلس حقوق الإنسان في التقرير وانتهى إلى إصدار قرار مفاده أن العراق هو صاحب الاختصاص الأصيل في التحقيق ومحاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان.
كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2379 لسنة 2017 لم يكن هو ما استهدفت بعض الدول الوصول إليه, وإنما كان هناك جهد دولي كبير لإحالة ملف انتهاكات داعش للمحكمة الجنائية الدولية بموجب المادة 12 / ثالثا من نظام روما الأساسي وانضمام العراق إلى ذلك النظام, وفي المناقشات الأولية قدمت بريطانيا مشروعا أوليا لإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية أو تشكيل محكمة جنائية دولية خاصة بحالة العراق ومهدت له بمشاورات ولقاءات مختلفة وحملة دولية طويلة عبر مكتب محاماة دولي في لندن عرض بشكل خاص مأساة الايزيديين على العالم من خلال جهود مشتركة مع الناجية الايزيدية نادية مراد.
ورغم أن العراق سبق أن قدم موقفه الرسمي من الانضمام إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وكرر موقفه مرارا رغم المطالبات الدولية وتوصيات لجان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي حاولت الدفع بموقف العراق نحو التغيير لكن إصرار العراق على هذا الموقف كان شديدا , وحتى لو كان العراق قد سبق له أن أرسل صك الانضمام في عهد حكومة إياد علاوي المؤقتة، لكنه سارع إلى سحب هذا الصك لتعارضه مع قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية / الملحق الأول منه، الذي منع الحكومة العراقية من الدخول في أية التزامات دولية طويلة الأمد نظرا لظروف العراق كدولة تحت الاحتلال بموجب قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وظروف مواجهة العنف بمختلف صوره الذي قد يكون عرضة وبشكل مكثف للإحالة إلى تلك المحكمة.
ولم يكتمل تشكيل فريق التحقيق الدولي لغاية الآن لأسباب مختلف منها الجوانب المالية ومنها الجوانب المتعلقة بالعلاقة مع السلطات العراقية التي لها الحق في التدخل في إجراءات تعيين الخبراء ولها الحق في تنسيق جهود العمل وتمديد الولاية بشكل حصري , ويمكن أن يعيق ذلك العمل في ملفات متعددة متصلة بجرائم داعش في العراق ومنها الجرائم الخاصة بانتهاكات حقوق الإنسان وتمويل الأنشطة ونقل السلاح وتصدير النفط والجرائم المتعلقة بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية , وحتى جرائم الحرب , حتى وإن كان العراق لا يعترف بأن ما كان يدور من نزاع يمثل نزاعا مسلحا غير دولي إنما يصر على موقفه على أن ذلك كان عمليات مكافحة للإرهاب , رغم أن العراق طلب بشكل رسمي مساعدة الدول بمختلف صور المساعدة للقضاء على داعش وشاركت قوات من مختلف الدول بمهام قتالية أو تدريبية أو دعم لوجستي.
قد يتبادر إلى الذهن إعلاميا وكثيرا ما يشار إليه بأن فريق التحقيق يمثل بداية لمحاكمات دولية لعناصر داعش ومرتكبي الجرائم الجسمية , وتُبذل جهود متواصلة لتقديم طلبات إلى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لفتح تحقيقات بذلك , وتُنظم الورش والاجتماعات لترويج تلك الأفكار , كما أن هناك جهودا رسمية من قبل بعض الأطراف للدفع بهذا الاتجاه , ومع أن الأمور كانت قد حسمت في وقتها لكن لا يمنع من تغيير التوجهات السياسية الدولية باتجاه هذه الرؤى مستقبلا , وإلى حين ذلك , لابد من الاعتراف أنه من الصعب في مثل هذا الظرف المتعلق بمصالح العديد من الأطراف والدول أن يحال الموضوع إلى محكمة دولية كما أن تمويل مثل تلك المحكمة صعب ومرهق لجميع الأطراف وخصوصا الأمم المتحدة.
لذا فإن فريق التحقيق التحقيق يعمل وفق ولايته على جمع وتخزين الأدولة وتقديمها إلى القضاء العراقي , وهنا تبرز العديد من نقاط عدم تطابق المواقف واليات العمل، ومنها أن العراق بدأ بالفعل في إجراء تحقيقات ومحاكمات وإصدار أحكام في العديد من تلك الجرائم , كما أن القانون العراقي الخاص بالإجراءات لا يوفر ضمانات كافية لعمل الفريق بحرية في مسائل التحقيق الجنائي , وأن الأدلة المتحصلة سوف تقدم إلى محاكم عراقية مختصة بالإرهاب يكون الحكم فيها في أغلب الأحوال الأعدام وهذا ما يتعارض مع سياسة الأمم المتحدة المناهضة لعقوبة الإعدام.
أخيرا فإن العراق لا يملك تشريعات تعرف الجرائم الدولية حيث إن القانون العراقي هو القانون الواجب التطبيق في الجوانب الإجرائية والعقابية.
يحاول فريق التحقيق الدولي طوال مدة عمله الفعلي في العراق التي ربما لا تزيد على سنتين التغلب على تلك المشاكل التقنية من جهة وإثبات وجوده الفعلي من جهة أخرى لكي يبرر سبب وجوده وطلب تمديد ولايته , لذا كان التركيز ينصب على التعامل مع جرائم محددة ،وبناء علاقات ثقة وتعاون مع جميع أطياف المجتمع العراقي بمختلف توجهاتهم , و الوصول إلى صيغ لتعديل التشريعات العراقية لكي تكون مواكبة لآليات عمله وبشكل خاص قانون الجرائم الدولية , كما يحاول أن يضع قواعد عمل مع السلطة القضائية لضمان الاتساق مع آليات العمل العراقية في مجال جمع وحفظ وتخزين الأدلة المتحصلة عن عمله.
إن الموافقة على تشكيل فريق التحقيق الدولي والتعاون معه لا يمثل انتقاصا من دور القضاء العراقي ولا طعنا باستقلاليته ومهنيته , إنما جاء نتيجة ظروف عمل القضاء في مناطق صعبة والحاجة إلى أنماط تعاون دولية للوصول إلى الأدلة وملاحقة المتهمين الذين انتقلوا إلى دول الجوار أو عادوا إلى دولهم , كما أن هناك حاجة للتعريف وتطوير القدرات في مجال التعامل مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجرائم الدولية.
كما أن المجتمعات المحلية المتاثرة بالصراع والجرائم التي ارتكبت بحقهم دفعتهم إلى بناء الآمال على نتائج عمل هذا الفريق بالوصول إلى التدويل لضعف الثقة بالسلطات المحلية التي تأثرت بالصراعات السياسية والأمنية وأن السيد ( كريم خان ) المستشار الخاص أنجز الكثير من أعمال الفريق بشكل شخصي من خلال اتصالاته مع مختلف أطياف المجتمع العراقي ورجال الدين وشيوخ العشائر والمجتمع المدني والمؤسسات الرسمية كافة بما فيها السلطة القضائية , لكن لم يبرز للعلن لغاية الآن نتاج العمل لإقناع الشارع العراقي والأقليات في العراق بأن هناك انجازا معينا في هذا الجانب.