استهداف منشآت الطاقة في إيران والخليج
قطر للطاقة: مدينة راس لفان الصناعية توفر خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال.
لم تعد الحروب الحديثة تُقاس فقط بعدد الضربات العسكرية أو المواقع التي تُستهدف، بل باتت تُقاس بحجم الأثر الذي تخلّفه على حياة المدنيين. هذا التحول يتجلى بوضوح في الهجمات المتبادلة بين إسرائيل وإيران خلال مارس 2026، والتي وثّقها تقرير حديث لهيومن رايتس ووتش: “إسرائيل وإيران: هجمات غير قانونية في مارس/آذار على منشآت الطاقة”. وصف التقرير الهجمات بأنها غير قانونية على بنية تحتية حيوية، مع تداعيات قد تمس ملايين الأشخاص داخل المنطقة وخارجها.
يُظهر التقرير أن التصعيد العسكري لم يستهدف مواقع عسكرية تقليدية فقط، بل شمل منشآت طاقة تُعد من الأعمدة الأساسية للحياة اليومية. ففي 18 مارس 2026، استهدفت إسرائيل حقل الغاز في جنوب فارس في إيران، وهو من أهم مصادر الغاز الذي تعتمد عليه البلاد في الاستهلاك المحلي، بما في ذلك التدفئة المنزلية. بعد ساعات فقط، ردّت إيران باستهداف منشآت الغاز والنفط في منطقة رأس لفان في قطر، وهي واحدة من أهم مراكز إنتاج الغاز المسال في العالم، إذ توفر نحو خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال.
هذه الأرقام وحدها تكشف حجم الخطر، فهذه المنشآت تعد بنى تحتية تؤثر على سوق الطاقة العالمي بأكمله، وعلى حياة ملايين البشر الذين يعتمدون على هذه الإمدادات. بحسب تحليل الأقمار الصناعية الذي اعتمد عليه التقرير، تسببت الضربات في أضرار واسعة، حيث تضررت أربع مناطق رئيسة داخل مجمع حقل جنوب فارس، وتعرضت منطقتان في رأس لفان لأضرار مباشرة.
لكن هذه الأرقام لا تعكس سوى الجزء المرئي من الأزمة. فالتقرير يحذّر من أن هذه الهجمات قد تؤدي إلى آثار اقتصادية “متوقعة وممتدة” قد تضر بملايين الأشخاص، وتشمل هذه الآثار: ارتفاع أسعار الطاقة عالميا، واضطراب سلاسل الإمداد، وتأثير مباشر على إنتاج الغذاء، وزيادة تكاليف المعيشة. وهو ما تؤكده تقارير موازية تشير إلى أن الحرب أدت بالفعل إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز عالميا نتيجة تعطّل الإمدادات.
الطاقة وحقوق إنسان
تكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى حقوق الإنسان الأساسية. فتعطيل إنتاج الغاز أو النفط لا يعني فقط خسارة مالية، بل قد يؤدي إلى:
- نقص الكهرباء
- تعطل محطات المياه والتحلية
- تراجع الخدمات الصحية
- تهديد الأمن الغذائي
وهنا يتحول استهداف الطاقة إلى تهديد مباشر لحقوق مثل:
- الحق في الحياة
- الحق في الصحة
- الحق في الغذاء
وقد حذرت منظمات حقوقية من أن استهداف البنية التحتية الحيوية يمكن أن يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين المدنيين في المنطقة. لا يمكن فهم هذه الهجمات بمعزل عن السياق الأوسع للنزاع. فالتقارير تشير إلى أن الصراع شهد استهدافا متكررا لمنشآت مدنية، بما في ذلك: مبانٍ سكنية، ومطارات مدنية، ومنشآت مالية. كما تم تسجيل 17 حادثة تضرر لسفن تجارية خلال فترة قصيرة، ما يعكس اتساع نطاق الاستهداف ليشمل البنية الاقتصادية العالمية. هذا النمط يشير إلى تحول خطير وهو أن الحرب لم تعد تستهدف الجيوش فقط، بل النظام الذي يضمن استمرار الحياة اليومية.
يشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن هذه الهجمات قد تُصنّف على أنها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني وربما جرائم حرب، لأنها تستهدف منشآت ضرورية لبقاء السكان المدنيين. لكن الأهم من التصنيف القانوني هو ما تكشفه هذه الهجمات عن طبيعة الحروب الحديثة:
- لم تعد الحرب تدور فقط في ساحات القتال
- بل امتدت إلى الاقتصاد والطاقة والبيئة
- وأصبحت تستهدف “القدرة على الحياة” نفسها
أزمة تتجاوز حدود المنطقة
الأرقام الواردة في التقرير تشير إلى أن تداعيات هذه الهجمات تمتد لتؤثر على العالم. فاستهداف منشأة توفر20% من الغاز العالمي يعني أن أي اضطراب فيها سينعكس على أسعار الغذاء، وتكاليف الطاقة، واستقرار الأسواق. وقد حذرت تقارير دولية من أن الحرب الحالية قد تؤدي إلى أكبر أزمة طاقة في التاريخ الحديث نتيجة تعطّل الإمدادات في المنطقة. واستشهد التقرير بإحصاءات الوكالة الدولية للطاقة، التي تقول بأن 80 % من الغاز الطبيعي الإيراني يأتي من حقل بارس الجنوبي، ويُشكل الغاز الطبيعي مصدر 79 % من الكهرباء في إيران، بما يشمل التدفئة والإضاءة والطهي والاستخدامات الصناعية. وذكر تقرير هيومن رايتس ووتش أنه قبل النزاع، كانت مدينة راس لفان الصناعية توفر خُمس الإمدادات العالمية من الغاز الطبيعي المسال. وتعد “قطر للطاقة”، شركة النفط والغاز الوطنية القطرية التي تدير رأس لفان، أكبر منتج للغاز الطبيعي المسال في العالم، حيث تعتمد دول في آسيا بشكل كبير على إمداداتها.
قد يكون لهذه الهجمات، وللاضطراب الأوسع في إمدادات الغاز الطبيعي المسال الناجم عن استمرار حالة عدم اليقين بشأن الشحن في مضيق هرمز، تأثير عالمي واسع، لا سيما على الحصول على الغذاء والضروريات الأخرى. فمثلا يعتبر الغاز الطبيعي عنصر أساسي في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، وهو الذي يحدد أسعار الطاقة المحلية التي تؤثر بدورها على تكلفة العديد من السلع والخدمات الاستهلاكية اليومية الأخرى، مثل النقل إلى العمل والمدارس والمستشفيات. تكشف هذه المعلومت أن استهداف منشآت الطاقة لم يعد مجرد عمل عسكري، بل أصبح أداة لإحداث تأثير شامل على حياة المدنيين، حيث تتحول الكهرباء والماء والغذاء إلى ضحايا غير مباشرة للحرب. وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي: ليس فقط من يربح الحرب، بل من يستطيع البقاء على قيد الحياة في ظلها.
المصدر: تقرير هيومن رايتس ووتش: “إسرائيل وإيران: هجمات غير قانونية في مارس/آذار على منشآت الطاقة”. إبريل 2026
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
