الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

ثلاث سنوات من الانهيار في السودان

15 أبريل, 2026
فرق أطباء بلا حدود تقدم خدماتها في السودان

فرق أطباء بلا حدود تقدم خدماتها في السودان

مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لم يعد الصراع المسلح مجرد مواجهة عسكرية، بل تحول إلى أزمة إنسانية شاملة تكشفها الأرقام بوضوح قاسٍ. فالحرب المستمرة بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لم تدمّر فقط البنية التحتية، بل قضت على ركائز الحياة الأساسية، تاركة ملايين المدنيين في مواجهة مصير مجهول.

تكشف البيانات الميدانية حجم الكارثة. ففي عام 2025 وحده، عالجت الفرق الطبية أكثر من 7700  مصاب نتيجة العنف المباشر، بما في ذلك إصابات الأعيرة النارية، كما تم تقديم أكثر من 250  ألف استشارة طبية طارئة. ولم تقف الانتهاكات عند هذا الحد، إذ سُجلت أكثر من 4200  حالة عنف جنسي، يُستخدم فيها الاغتصاب كسلاح حرب، وكانت النساء الضحايا الأكثر تضررا.

أما الأطفال، فهم الأكثر هشاشة في هذه الأزمة. فقد تم إدخال أكثر من 15000 طفل دون سن الخامسة إلى برامج علاج سوء التغذية الحاد، في مؤشر واضح على انهيار الأمن الغذائي. وتزيد هذه الحالات من خطر الوفاة بسبب أمراض يمكن علاجها بسهولة في الظروف الطبيعية، لكنها تصبح قاتلة في بيئة منهارة مثل السودان اليوم.

. ففي عام 2025، تم علاج أكثر من 12000 حالة حصبة، إضافة إلى نحو 42200  حالة كوليرا، إلى جانب انتشار أمراض أخرى مثل التهاب الكبد. هذه الأرقام تعكس انهيار نظام الوقاية الصحية، خاصة بعد تعطّل برامج التطعيم وأنظمة رصد الأوبئة.

ولا يقتصر الانهيار على ضعف الخدمات الصحية، بل يشمل استهدافها بشكل مباشر. فمنذ أبريل 2023، تم تسجيل 213 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية، أسفرت عن مقتل أكثر من 2000 شخص وإصابة 720 آخرين. وفي عام 2025 وحده، شكّلت هذه الهجمات ما نسبته 82%  من إجمالي الوفيات العالمية المرتبطة بالاعتداء على القطاع الصحي، وفق تقديرات دولية.

كما وثّقت الجهات الإنسانية ما لا يقل عن 100  حادثة عنف استهدفت العاملين الصحيين والمرافق الطبية والإمدادات، ما يعكس بيئة شديدة الخطورة تعيق تقديم الخدمات الأساسية. وفي الأسابيع الأخيرة، تصاعدت حدة العنف مع استخدام الطائرات المسيّرة، حيث عولج نحو 400  مصاب نتيجة هذه الهجمات، التي استهدفت مناطق مدنية بشكل متزايد. ووفق تقديرات الأمم المتحدة، أسفرت هذه الهجمات عن مقتل أكثر من 500  مدني خلال فترة قصيرة امتدت من بداية يناير حتى منتصف مارس.

هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم العنف، بل تشير إلى تحول خطير في طبيعة الحرب، حيث لم تعد المواجهات محصورة في جبهات القتال، بل امتدت لتشمل البنية التحتية والمناطق السكنية، في انتهاك واضح للقانون الإنساني الدولي. إلى جانب ذلك، شهد السودان واحدة من أكبر موجات النزوح في العالم، حيث أُجبر نحو 14 مليون شخص على مغادرة منازلهم منذ بداية النزاع، وكثير منهم اضطروا للنزوح أكثر من مرة.

ورغم ضخامة هذه الأزمة، لا تزال الاستجابة الدولية دون المستوى المطلوب. فالعجز في التمويل، والقيود المفروضة على وصول المساعدات، أديا إلى تفاقم الوضع، حيث يموت الناس يوميا لأسباب يمكن الوقاية منها، مثل نقص الغذاء أو غياب الرعاية الصحية. كما أن القيود التي تفرضها السلطات على المنظمات الإنسانية، سواء عبر منع الوصول إلى مناطق معينة أو تعطيل الأنشطة، تزيد من تعقيد الوضع، وتحرم آلاف الأشخاص من المساعدة التي قد تنقذ حياتهم.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن مناطق جديدة، مثل كردفان، قد تصبح بؤرا للعنف في المرحلة المقبلة، خاصة مع صعوبة وصول المنظمات الإنسانية إليها، ما يجعل السكان أكثر عرضة للخطر. في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى الأزمة في السودان باعتبارها كارثة إنسانية فقط، بل هي أيضا نتيجة لفشل سياسي جماعي. فعلى الرغم من التحذيرات المتكررة، لم تُتخذ إجراءات فعالة لوقف الانتهاكات أو محاسبة المسؤولين عنها، ما سمح باستمرار دوامة العنف والإفلات من العقاب.

وتتجلى خطورة هذا الفشل في استمرار سقوط الضحايا، سواء بسبب العنف المباشر مثل القتل والتعذيب، أو نتيجة عوامل غير مباشرة مثل الجوع وانهيار الخدمات الصحية. و هذه الأرقام، رغم قسوتها، لا تعكس بشكل كامل حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المدنيون في السودان، لكنها تقدم صورة واضحة عن مدى الانهيار الذي أصاب البلاد.

في ظل هذا الوضع،  تبرز الحاجة الملحة إلى تحرك دولي جاد يضع حدا لهذه الأزمة، من خلال حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات. فاستمرار الوضع الحالي لا يعني فقط إطالة أمد المعاناة، بل يهدد بتدمير مستقبل جيل كامل.

المصدر: منظمة أطباء بلا حدود