الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

نظام إسرائيل العنصري في فلسطين المحتلة

24 فبراير, 2026
جدار الفصل العنصري استهدف عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب معزولة (الفرنسية)

جدار الفصل العنصري استهدف عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب معزولة (الفرنسية)

عبد اللطيف خضر*

يُشكّل النظام القانوني الذي أفرزته دولة الاحتلال الإسرائيلي خلال العقود الماضية العمود الفقري لنظام فصل عنصري متكامل الأركان في فلسطين المحتلة، يقوم على تكريس التفوق اليهودي وسيطرة المستوطنين، مقابل تجريد الفلسطينيين من الأرض والحقوق والهوية.

فمن خلال حزمة من القوانين الأساسية والتشريعات المدنية والعسكرية – مثل قانون العودة، وقوانين المواطنة والجنسية، وتشريعات مصادرة الأراضي، وجدار الضم والفصل – أعادت إسرائيل هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بما يضمن تجزئة الشعب والأرض، وإخضاع الفلسطينيين لنظام تمييزي ممنهج يطال كل تفاصيل حياتهم، ويمتد أثره إلى اللاجئين والمنفيين المحرومين من حقهم في العودة وتقرير المصير.

وسنتناول في هذا المقال الإطار القانوني الدولي لجريمة الفصل العنصري، قبل الانتقال إلى تفصيل القوانين الإسرائيلية التي تُجسّد هذا النظام في الواقع الفلسطيني.

  • الإطار القانوني الدولي المنظم للتمييز العنصري كجريمة ضد الإنسانية

تعتبر ممارسة التمييز العنصري جريمة ضد الإنسانية بموجب الاتفاقية العالمية لمنع ومعاقبة جرائم الفصل العنصري عام (1976)، وميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، حيث تناولت هذه الصكوك ممارسات وسياسات الفصل العنصري والقمع المنهجي بهدف إنشاء وإدامة السيطرة العنصرية لفئة معينة على فئة أخرى.

وتشير اتفاقية الفصل العنصري إلى أدوات “الممارسات غير الإنسانية”، بما فيها “الإجراءات التشريعية التي تسن لمنع جماعة عرقية أو جماعات عرقية من المشاركة في العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للدولة”، والإجراءات التشريعية التي تسن لتقسيم السكان وفقاً لأسس عرقية. وبالنظر إلى سياسات دولة الاحتلال الإسرائيلي نلحظ ممارسة ممنهجة فعلية تحرم الفلسطينيين من المشاركة السياسية والاجتماعية بنص التشريعات الإسرائيلية.

تشمل هذه الجريمة أيضاً “التمييز المؤسسي على أساس عنصري أو إثني أو ديني”، في انتهاك لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وهو ما يشير إليه ميثاق روما الأساسي حين تحدث عن “نظام منهجي مؤسسي للقمع وسيطرة مجموعة عرقية على مجموعة أو مجموعات عرقية أخرى”.

وفي ضوء هذا الإطار القانوني الدولي الذي يحدد جريمة الفصل العنصري وعناصرها، تبرز القوانين الإسرائيلية الداخلية بوصفها الأداة الرئيسية لترسيخ نظام هيمنة يهودية وسيطرة منهجية على الفلسطينيين في فلسطين المحتلة.

  • القوانين التي تؤسس لهيمنة اليهود وسيطرتهم

يمنح قانون العودة التمييزي الإسرائيلي (1950) الحق لهجرة اليهود وعائلاتهم في حين أنّ 8 ملايين فلسطيني طُردوا من فلسطين وأجبروا على اللجوء خلال النكبة (1948)  والنكسة (1967)  وأنكر حقهم في العودة وتقرير المصير منذ ذلك الحين.

يمنح قانون العودة الإسرائيلي حق الهجرة لليهود، ويبين أنّ المواطنة الإسرائيلية “تمنح لكل يهودي يعبر عن رغبته بالاستقرار في إسرائيل وأنّ “لكل يهودي الحق بأنّ يأتي إلى البلاد كمهاجر”، في حين أنّ قانون المواطنة الإسرائيلي (1952) ينص بشكل واضح على أنّه بموجب قانون العودة، يصبح كل “مهاجر” مواطنا إسرائيليا. كما يمنع قانون إسرائيل الأساسي المرشحين الذين يُعتبرون تهديدا “لوجود دولة إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية” من خوض الانتخابات، ويعمل على ملاحقة المعارضة الفلسطينية.

وينص القانون الأساسي الإسرائيلي على التفوق العنصري للشعب اليهودي، ويوضح ذلك كمبدأ أساسي في المادة 1 (أ) التي تنص على أنّ “أرض إسرائيل” هي الموطن التاريخي للشعب اليهودي، وعلى أساسها أقيمت دولة إسرائيل”، وأزال القانون ضمنا الذاكرة التاريخية للشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، كما قصرت حق تقرير المصير “للشعب اليهودي” حصرا، وتعتبر أيضا اللغة العبرية هي اللغة الرسمية فيها.

وإمعانا في تمييزه العنصري، استشهدت محكمة الاستئناف الإسرائيلية في نوفمبر 2020 بهذه المادة عندما أقرت سياسة بلدية الكرمل التي حرمت الأطفال الفلسطينيين من دخول مدارس المدينة، وبررت المحكمة قرارها بأنّ “الكرمل مدينة إسرائيلية تهدف إلى توطيد الاستيطان اليهودي في الجليل، وأنّ إنشاء مدرسة عربية أو حتى تمويل وسائل المواصلات لتلاميذ عرب من شأنه أنّ يغير من التوازن الديموغرافي أو يدمر من الطابع اليهودي للمدينة”، وهذا هو الحال في جميع المؤسسات المدنية والحكومية الإسرائيلية حيث لا وجود لتساوي فرص العمل للعرب قياسا باليهود.

  • قوانين المواطنة والجنسية

تفرق إسرائيل بين المواطنة والجنسية الإسرائيلية، في حين أنّ الجنسية يمكن اكتسابها من خلال: 1) العودة (لليهود فقط)، 2) الإقامة في إسرائيل (كما الفلسطينيون الذين بقوا في الداخل قبل تأسيس الكيان)، 3) الولادة والتجنس. بينما تكون المواطنة محصورة باليهود فقط.

إنّ ممارسات الفصل العنصري وتجزئة السكان الفلسطينيين التي تنتهجها إسرائيل تقدّم دليلا إضافيا على التطبيق العنصري والتميِيزي لقانون دخول إسرائيل لعام 1952؛ فعندما سنّت إسرائيل قانونها الأساسي عام 1980 واعتبرت فيه القدس عاصمة لها، ردّ مجلس الأمن الدولي بقرار إدانة وعدم اعتراف، مؤكدا أن “القانون الأساسي بشأن القدس باطل ويجب إلغاؤه على الفور”.

في ذات الوقت، تم نقل المستوطنين الإسرائيليين بشكل غير قانوني إلى الضفة الغربية المحتلة، وبينما يملك الإسرائيليون حرية التنقل والدخول إلى جميع أنحاء فلسطين المحتلة بما فيها الضفة الغربية، يمنع الفلسطينيون من التنقل بين مدنهم وقراهم، التي باتت مقطعة الأوصال بمئات الحواجز العسكرية الإسرائيلية، إضافة الى الشوارع الاستيطانية التي تخصص لعبور المستوطنين اليهود فقط، علماً بأنها أقيمت على أراضٍ فلسطينية خاصة.

  • القوانين التي تؤطر الاستيلاء على الأراضي

بالإضافة إلى إنكار المواطنة الفلسطينية، تطبق إسرائيل إجراءات تشريعية لمصادرة الأراضي الفلسطينية، على الرغم من تجريم ذلك بموجب المادة (2) من اتفاقية الفصل العنصري. واستند المشروع الاستيطاني الإسرائيلي بصورة أساسية على المصادرة الواسعة النطاق لأراضي اللاجئين الفلسطينيين وأملاك الأشخاص المصنفين على أنهم “غائبون” أو “أشخاص تم طردهم أو هربوا أو غادروا البلاد بعد 29 نوفمبر 1947 بسبب الحرب”، حيث أعيد توزيع أراضيهم وأملاكهم لليهود. وفي هذا السياق كان  الفلسطينيون داخل الخط الأخضر يمتلكون 52% من الأراضي، انتهى بها الحال اليوم لتصبح 4% فقط، وهذا ما يؤرق سكان الضفة الغربية في ظل القرارات الصهيونية الأخيرة لتسوية أراضي الضفة وتسجيلها كأراضي دولة تمهيداً لضمها.

وقامت إسرائيل بمصادرة الأراضي الفلسطينية من خلال تطبيق قوانين الانتداب البريطاني التي تسمح بمصادرة الأراضي واستخدامها لأغراض عامة من قبل الدولة، كما عدلت دولة الاحتلال القانون ليسمح للدولة بتملك ومصادرة أراضي الفلسطينيين، حتى عندما لم تُستخدم الأراضي فعلياً لأغراض عامة كما تم وصفه بقانون المصادرة الأصلي.

يأتي قانون التنفيذ والإجراءات القانونية (1970) كأداة أخرى للاستيلاء الإسرائيلي على أراضي الفلسطينيين في القدس المحتلة، كما يتم استخدام الأوامر العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة لمصادرة الأراضي الفلسطينية بشكل غير قانوني باعتبارها أراضي “الدولة” الإسرائيلية فقط ليتم استيطانها فيما بعد أو تحويلها إلى متاحف أو محميات طبيعية أو مناطق تدريب عسكرية.

تنتهك هذه القوانين المواد 46، 47، 52، و55 من قواعد لاهاي التي تنظم الحرب البرية لعام (1907)، والمواد 33 و49 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام (1949) حيث تعتبر جرائم حرب وانتهاكات جسيمة بموجب اتفاقيات جنيف

  • تفتيت الجغرافيا الفلسطينية

قامت إسرائيل بتجزئة وتفتيت الأراضي الفلسطينية بشكل فعلي عن طريق بناء جدار الضم والفصل العنصري المصحوب بشبكة معقدة من نقاط التفتيش وأنظمة المراقبة. بدأ بناء الجدار عام 2002، بهدف عزل التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى جيوب معزولة مما يسمح بالمزيد من التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وفي عام 2004، أصدرت محكمة العدل الدولية فتوى رسمية تفيد بأنّ تشييد الجدار والنظام المرتبط به يتعارض مع القانون الدولي، وشددت على أنّ هناك التزاما واضحا على إسرائيل لتفكيك الجدار وإعادة الأراضي ودفع التعويضات المادية، إضافة لتقديم “تأكيدات وضمانات بعدم التكرار”.

في حين تحدت إسرائيل هذا الرأي القانوني الدولي عبر الاستمرار ببناء الجدار، الذي يبلغ طوله نحو 770 كيلومترا، وبعد مرور 24 عاماً على صدور هذه الفتوى الرسمية لا تزال دولة الاحتلال تشرعن هذه الممارسات العنصرية الاستيطانية، حيث يسيطر الجدار على نحو 9% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، فهو أداة صهيونية للاستيطان والضم والتهويد كما للفصل العنصري.

خاتمة

دأبت دولة الاحتلال وبشكل منهجي طيلة عقود الاحتلال على ارتكاب أبشع الجرائم الوحشية والتطهير العرقي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الفلسطينيين، كالنقل القسري والاعتقال الإداري والإعدامات الميدانية خارج إطار القانون، والحرمان من الحقوق الأساسية. وتكللت إدامة نظام الفصل العنصري الإسرائيلي عبر حرب التطهير العرقي والإبادة الجماعية على غزة 2023-2025، التي ينعم مرتكبوها بحصانة شبه كاملة من المساءلة والعقاب.

وهذه السياسات والممارسات ليست أحداثا معزولة، بل هي نتاج بنية قانونية وتشريعية متكاملة صُمِّمت لإدامة السيطرة والهيمنة على الشعب الفلسطيني، حيث يوفّر نظام قانوني معقد غطاءً “شرعيا” للاستيلاء على الأراضي، وهندسة التركيبة الديموغرافية، وتجزئة الجغرافيا الفلسطينية، بما في ذلك قوانين تسوية أراضي الضفة الغربية التي تقوّض حق العودة وتقرير المصير.
———-

* أستاذ القانون الدولي، مختص في شؤون الاستيطان، مدير المرصد الفلسطيني لحقوق الانسان.