الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

ماذا يعني الانسحاب الأمريكي من منظمات حقوق المرأة

13 يناير, 2026

في السابع من يناير 2026  أعلنت الولايات المتحدة انسحابها من 66  منظمة دولية، نصفها تقريبا تابعة للأمم المتحدة، جرى تحديدها ضمن مراجعة أجرتها الإدارة الأميركية للمنظمات، والتي اعتُبرت “مُهدِرة، غير فعّالة، أو ضارّة بالمصالح الأميركية”. وخلصت إدارة ترامب إلى أن هذه المؤسسات تعاني من تكرار في الأدوار، وسوء إدارة، وعدم ضرورة، وهدر للموارد، أو أنها خاضعة لنفوذ أطراف تسعى إلى فرض أجندات تتعارض مع المصالح الأميركية، أو تشكل تهديدًا لسيادة الولايات المتحدة وحرياتها وازدهارها العام.

وأضاف البيان المنشور في موقع وزارة الخارجية الأمريكية أن كثيرًا من هذه المنظمات باتت تروّج لسياسات مثل التنوع والإنصاف والشمول  وحملات المساواة الجندرية، وأجندات المناخ، في إطار مشروع عولمي يهدف إلى تقييد السيادة الأميركية. وشددت الإدارة الأميركية على أنها لن تواصل إنفاق الموارد أو منح الشرعية الدبلوماسية لمؤسسات تعتبرها غير ذات صلة أو متعارضة مع مصالحها.

انعكاسات خطيرة في مناطق النزاع

يشكّل انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق المرأة والمساواة الجندرية تطورًا ذا دلالة في مسار الالتزام الدولي بحقوق النساء. فهذا القرار لا يمكن قراءته بوصفه خطوة إدارية أو مالية معزولة، بل بوصفه تحولًا سياسيًا وأيديولوجيًا يترك آثارًا عميقة على منظومة حماية حقوق المرأة عالميًا، وعلى الجهود الرامية إلى تحقيق العدالة الجندرية في سياقات تتسم أصلًا بالهشاشة والصراع.

من بين أبرز الهيئات التي شملها الانسحاب الأميركي هيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، إضافة إلى منصات أممية تُعنى بالعنف ضد النساء والأطفال في النزاعات. هذه المؤسسات لعبت، على مدى سنوات، دورًا محوريًا في دعم السياسات الوطنية، وتمويل البرامج الوقائية، وتوفير الحماية القانونية والصحية لملايين النساء، لا سيما في مناطق النزاع والفقر.

أول التداعيات المباشرة للانسحاب يتمثل في تقليص الموارد المخصصة لبرامج تمكين المرأة، ومكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتعزيز الصحة الإنجابية. وبالنظر إلى حجم المساهمة الأميركية التاريخية، فإن هذا التراجع يهدد استدامة برامج حيوية، خصوصًا في دول الجنوب العالمي، حيث تعتمد هذه المبادرات بشكل كبير على التمويل الدولي.

واستنادا إلى تقارير صادرة عن هيومن رايتس ووتش، فقد شهدت مناطق شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ارتفاعًا حادًا في العنف الجنسي المرتبط بالنزاع خلال عام 2025، بالتزامن مع انهيار الدعم المقدم للناجيات عقب تقليص المساعدات الأميركية. وسجل صندوق الأمم المتحدة للسكان أكثر من 80 ألف حالة اغتصاب بين يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول 2025، بزيادة قدرها 32% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024. ووثّقت هيومن رايتس ووتش انتهاكات ارتكبتها خمس جماعات مسلحة على الأقل، من بينها حركة “إم23” المدعومة من رواندا، والقوات الديمقراطية المتحالفة، إضافة إلى وحدات من الجيش الكونغولي.

وأدت التخفيضات في البرامج الممولة أميركيًا مطلع عام 2025 إلى وقف توفير أطقم الوقاية بعد التعرض، التي يجب استخدامها خلال 72 ساعة لمنع الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والحمل. وكانت منظمات شريكة ممولة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) تعتزم توزيع 116 ألف طقم، إلا أن التمويل سُحب. وبحلول مايو/أيار، لم تتوفر سوى إمدادات محدودة في 7 من أصل 34 منطقة صحية في شمال كيفو، وبحلول سبتمبر/أيلول لم يتبقَّ سوى 895 طقمًا كاملًا في الإقليم بأكمله. وأُغلقت عيادات صحية، واضطرت ناجيات إلى قطع عشرات الكيلومترات طلبًا للعلاج، غالبًا بعد فوات الأوان.

وأجرت هيومن رايتس ووتش ومنظمة SOFEPADI مقابلات مع 27 ناجية في الكونغو وأوغندا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ووثّقت حالات اغتصاب واستعباد جنسي وخطف، أُصيبت على إثرها العديد من الضحايا بفيروس نقص المناعة البشرية أو حملن قسرًا. ورغم الإصلاحات القانونية وإنشاء هيئة للتعويضات أنفقت 1.5 مليون دولار على أطقم الوقاية في 2025، لا يزال الإفلات من العقاب واسع الانتشار، مع صعوبة الوصول إلى المحاكم وندرة برامج إعادة الإدماج. ودعت المنظمات الحقوقية المانحين إلى استعادة التمويل، وتعزيز المساءلة، وحماية الناجيات في نزاع لا يزال فيه العنف الجنسي يُستخدم كسلاح حرب.

في سياقات النزاعات الأخرى، مثل غزة واليمن وأوكرانيا، تلعب المنظمات المعنية بحقوق المرأة دورًا أساسيًا في توثيق العنف الجنسي، وتقديم الدعم النفسي والطبي للناجيات، والدفع باتجاه المساءلة. ويعني إضعاف هذه المنظومة تقليص قدرة المجتمع الدولي على الاعتراف بالعنف القائم على النوع الاجتماعي كجريمة دولية، لا كأثر جانبي للحرب. وفي اليمن على سبيل المثال، حيث تتفاقم معدلات سوء التغذية ووفيات الأمهات، يُعد دعم صندوق الأمم المتحدة للسكان أساسيًا لاستمرار خدمات الصحة الإنجابية. أما في غزة، حيث تتعرض النساء لانتهاكات مضاعفة بفعل الحصار والنزاع، فإن تراجع الدعم الدولي يهدد بتحويل معاناة النساء إلى قضية هامشية في حسابات السياسة الكبرى.

لكن الأثر الأعمق لانسحاب الولايات المتحدة من منظمات داعمة لا يكمن فقط في الجانب المالي، بل في الرسالة السياسية التي يبعث بها الانسحاب: مفادها أن قضايا حقوق المرأة لم تعد أولوية في السياسة الخارجية لإحدى القوى الكبرى. هذه الرسالة قد تُستغل من قبل حكومات أو جماعات سلطوية لتبرير التراجع عن التزاماتها الدولية، أو لتقويض الأطر القانونية التي تحمي النساء من التمييز والعنف.

المساءلة والعدالة الجندرية 

انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات المعنية بحقوق المرأة ينعكس أيضًا على مسارات المساءلة الدولية. فتوثيق الجرائم الجنسية مثل الاغتصاب في النزاعات، والدفع نحو إدراجها في لوائح الاتهام أمام المحاكم الدولية، يتطلب دعمًا سياسيًا ومؤسسيًا متواصلًا. ومع تراجع هذا الدعم، تخشى منظمات حقوقية من عودة هذه الجرائم إلى منطقة الصمت أو السكوت عنها، حيث لا يُحاسَب مرتكبيها ولا تُدرج هذا الجرائم ضمن أولويات العدالة.

كما يعزز الانسحاب مخاوف من ازدواجية المعايير، إذ تُرفع شعارات حقوق المرأة في سياقات معينة، بينما يتم تجاهلها حين تتقاطع مع اعتبارات السيادة أو المصالح الجيوسياسية. لا يقتصر أثر القرار الأميركي على الداخل الأميركي أو على المؤسسات المنسحب منها، بل يمتد إلى النظام الدولي ككل. فالولايات المتحدة، بحكم وزنها السياسي، لطالما شكّلت عنصر توازن داخل هذه المنظمات. ومع انسحابها، يزداد خطر تسييس قضايا المرأة أو إضعافها، سواء عبر تقليص البرامج أو إعادة توجيه أولويات العمل الدولي. في المقابل، قد يدفع هذا الفراغ قوى دولية أخرى إلى محاولة ملئه، إلا أن ذلك لا يضمن بالضرورة الحفاظ على نفس مستوى الالتزام أو الاستقلالية، خاصة في ظل عالم متعدد الأقطاب تتنافس فيه الأجندات على حساب الحقوق.

يمثل الانسحاب الأميركي من المنظمات المعنية بحقوق المرأة تراجعًا مقلقًا عن التزامات دولية أساسية، ويضع العدالة الجندرية أمام اختبار جديد في زمن الأزمات المتلاحقة. وبينما لا تزال النساء في مناطق واسعة من العالم يدفعن الثمن الأكبر للنزاعات والفقر والتمييز، فإن إضعاف المنظومة الدولية التي تسعى لحمايتهن لا يهدد حقوقهن فحسب، بل يقوّض أحد أسس العدالة وحقوق الإنسان الشاملة. وفي هذا السياق، يصبح الدفاع عن حقوق المرأة مسؤولية جماعية تتجاوز الحكومات إلى المجتمع الدولي بأسره، لضمان ألا تتحول المساواة الجندرية إلى ضحية أخرى لصراعات السياسة العالمية.

 

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع