لماذا لا تزال النساء بعيدات عن التمثيل البرلماني العادل؟
صورة ارشيفية للبرلمان الإسباني: النساء يشغلن 47% من المقاعد ( رويترز)
لماذا لا تزال النساء بعيدات عن مراكز القرار البرلماني؟
رغم عقود من الدعوات إلى المساواة السياسية، لا يزال تمثيل النساء في البرلمانات العالمية يتقدم بخطى بطيئة تكشف أن المشكلة لم تعد في الاعتراف المبدئي بحق النساء في المشاركة، بل في قدرة الأنظمة السياسية على تحويل هذا الحق إلى حضور فعلي ومستدام داخل مؤسسات صنع القرار. فبحسب تقرير الاتحاد البرلماني الدولي الصادر في مارس/آذار 2026، تشغل النساء27.5% من مقاعد البرلمانات الوطنية على مستوى العالم حتى الأول من يناير/كانون الثاني 2026، بزيادة هامشية قدرها 0.3 % فقط مقارنة بعام 2025. ويعد هذا المعدل من أبطأ معدلات النمو في السنوات الأخيرة، وللعام الثاني على التوالي.
هذه الزيادة الطفيفة تحمل دلالة مزدوجة. فمن جهة، هي تؤكد أن التمثيل النسائي لم يعد قضية هامشية، وأن حضور النساء في البرلمانات بات جزءاً من المشهد الديمقراطي العالمي. لكن من جهة أخرى، تكشف أن التقدم الكمي لا يزال هشاً وبطيئاً، وأنه غير كافٍ لإحداث تحول حقيقي في موازين السلطة السياسية. فحين تبقى النساء، وهن نصف المجتمع تقريبا، عند أقل من ثلث المقاعد البرلمانية، فإن المشكلة لا تكون فقط في بطء التمثيل، بل في استمرار البنى السياسية والحزبية والاجتماعية التي تعيد إنتاج الإقصاء بأشكال أكثر تعقيدا.
وتزداد الصورة وضوحاً إذا نظرنا إلى مواقع القيادة في البرلمانات نفسها. فالتقرير ذاته أشار إلى تراجع نسبة النساء اللواتي يشغلن منصب رئيس البرلمان إلى 19.9% فقط في مطلع 2026، بعدما كانت 23.7% قبل عام واحد. ومن بين 75 رئيساً جديداً تم تعيينهم أو انتخابهم خلال عام 2025، لم تُعين أو تنتخب غير12 امرأة. وهذا يعني أن التحدي لا يقتصر على دخول النساء إلى البرلمان، بل يمتد إلى الوصول إلى مواقع النفوذ داخل المؤسسة التشريعية ذاتها. بعبارة أخرى، هناك فارق بين تمثيل النساء كأعضاء، وتمكينهن كصانعات قرار في الهرم البرلماني.
في هذا السياق، يبرز نظام الحصص (الكوتا) باعتباره الأداة الأكثر فعالية في دفع الأرقام إلى الأمام. فقد أوضح الاتحاد البرلماني الدولي أن البلدان التي اعتمدت حصصاً تشريعية أو حزبية سجلت تقدماً أوضح من غيرها، وأن الكوتا لا تزال عاملاً حاسماً في كسر الجمود التاريخي في تمثيل النساء. كما أظهرت البيانات أن مناطق مثل الأميركيتين حافظت على موقع متقدم، إذ بلغ تمثيل النساء فيها 35.6% من مجموع البرلمانيين، وهي أيضًا تضم أربعاً من أصل سبع دول وصلت إلى المناصفة أو تجاوزتها في الغرفة السفلى أو الوحيدة في البرلمان. هذا يدل على أن الإرادة القانونية والمؤسسية يمكن أن تغيّر الخريطة إذا توافرت الأدوات المناسبة.
لكن الكوتا، على أهميتها، ليست حلاً كاملاً، فهي تفتح الباب، لكنها لا تضمن أن تكون البيئة السياسية آمنة أو عادلة أو قادرة على الاحتفاظ بالنساء في المجال العام. وهنا تظهر العقبة الأعمق وهي العنف والترهيب والضغط العام ضد النساء في السياسة. فقد حذر الاتحاد البرلماني الدولي، في فبراير/شباط 2026، في تقرير آخر من تصاعد الترهيب والتحرش ضد البرلمانيين من الجمهور، مشيراً إلى أن 76% من النساء البرلمانيات في دراسات الحالة أفدن بتعرضهن للعنف، مقارنة بـ 68% من الرجال. كما ربط التقرير هذه الظاهرة بتزايد الاستقطاب السياسي، وتضخم أثر وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع الثقة بالمؤسسات العامة.
هذا الفارق بين النساء والرجال ليس مجرد رقم، بل يكشف أن النساء لا يدخلن السياسة بشروط متساوية. فالسياسة بالنسبة لكثير من النساء لا تزال فضاءً عالي الكلفة: تشهير، وتهديد، وخطاب كراهية، وضغوط تدفع إلى الرقابة الذاتية أو العزوف عن الترشح مجددًا. وتنبّه تقارير الاتحاد البرلماني الدولي إلى أن هذا المناخ لا يضر النساء وحدهن، بل يضر الديمقراطية نفسها، لأنه يحد من التنوع، ويقصي تعدد الأصوات، ويحوّل البرلمان إلى فضاء أقل تمثيلاً للمجتمع.
ومن زاوية أوسع، تؤكد هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن الخلل لا يقتصر على البرلمانات، بل يمتد إلى بنية السلطة السياسية عالمياً. فخريطة النساء في السياسة Women in Politics 2026 أظهرت أن النساء ما زلن يواجهن هيمنة ذكورية واضحة في مواقع القرار: فالنساء يقدن 28 دولة فقط حول العالم، ويشغلن 27.4% من المناصب الوزارية، بينما لا تتجاوز نسبة النساء بين رؤساء البرلمانات19.9% . هذه الأرقام توضح أن الأزمة ليست في التمثيل البرلماني وحده، بل في سلسلة متصلة من العوائق التي تبدأ من الأحزاب والتمويل والفرص الانتخابية، ولا تنتهي عند توزيع السلطة داخل مؤسسات الدولة.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: لماذا لا ترتفع أعداد النساء بسرعة؟ بل: ما الذي يمنع الأنظمة السياسية من التحول من القبول الرمزي إلى التمكين الفعلي؟ هنا تتقاطع ثلاثة عوائق رئيسية. أولاً، عوائق بنيوية داخل الأحزاب والأنظمة الانتخابية تجعل ترشيح النساء أقل أولوية. ثانياً، عوائق ثقافية تعتبر القيادة السياسية مجالاً ذكورياً بطبيعته. ثالثاً، عوائق عُنفية ورقمية تجعل كلفة الظهور العلني على النساء أعلى بكثير من كلفته على الرجال. وهذه الخلاصة تنسجم مع الأدبيات المتراكمة للمعهد الديمقراطي الوطني حول العنف ضد النساء في السياسة، والتي تعتبر أن العنف السياسي لا يهدد النساء بوصفهن أفراداً فحسب، بل يهدد نزاهة العملية الديمقراطية ذاتها.
يَفرضُ بطء التقدم في تمثيل النساء إعادة تعريف النجاح. فليس كافياً الاحتفاء بارتفاع محدود من 27.2% إلى 27.5%، إذا كانت البيئة السياسية نفسها ما تزال طاردة. الإصلاح الحقيقي يتطلب ما هو أكثر من زيادة الأرقام: تشريعات أقوى ضد العنف السياسي، وآليات حزبية عادلة للترشيح، وتمويلاً انتخابياً أكثر مساواة، وضمانات لحماية النساء من الاستهداف الرقمي والتشهير. كما يتطلب الاعتراف بأن مشاركة النساء ليست ملفاً اجتماعياً جانبياً أو حتى هامشيا، بل معياراً حقيقياً لقياس جودة الديمقراطية نفسها.
في المحصلة، لا يبدو العالم اليوم أمام أزمة غياب كامل للنساء عن السياسة، بل أمام أزمة تباطؤ مزمن في تفكيك الحواجز التي تمنعهن من الوصول والتأثير والاستمرار. ولهذا، فإن المعركة لم تعد على المبدأ، بل على البنية: بنية القانون، وبنية الحزب، وبنية الخطاب العام. وما لم تُعالج هذه المستويات مجتمعة، ستظل الأرقام تتحسن ببطء، فيما تبقى السلطة الفعلية بعيدة المنال.
المصادر:
الاتحاد البرلماني الدولي، Women in Parliament 2025، 6 مارس/آذار 2026. (Inter-Parliamentary Union)
هيئة الأمم المتحدة للمرأة، Women in Politics: 2026 / The State of Women in Politics، 2026. (UN Women)
المعهد الديمقراطي الوطني، مواد مرجعية حول التحديات والعنف ضد النساء في السياسة. (ndi.org)
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
