قراءة حقوقية في تهديد محطات الطاقة بالمنطقة
محطة توليد كهرباء في طهران (رويترز)
لا تبدو تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف محطات الطاقة والبنى التحتية المرتبطة بها في إيران مجرد تصعيد عسكري عابر في سياق مواجهة محتدمة، بل تطرح -من منظور حقوقي- أسئلة تتصل بحماية المدنيين، وحدود استهداف البنى التحتية المدنية، والعواقب الإنسانية الواسعة لأي هجوم قد يدفع بلدا بأكمله نحو مزيد من العتمة والعزلة والانهيار الخدمي.
فمنظمة العفو الدولية لا تقرأ هذه التهديدات بوصفها جزءا من لعبة الضغط السياسي فحسب، بل بوصفها تهديدا قد يرقى، إذا نُفذ، إلى ارتكاب جرائم حرب.
وتقول المنظمة إن على ترامب أن يتراجع عن تهديداته التي وصفتها بغير المسؤولة، لافتة إلى أن الامتناع عن هذه الضربات يجب أن يستند إلى التزامات الولايات المتحدة بموجب القانون الدولي الإنساني، لا إلى نتائج المفاوضات السياسية.
فالقضية، في نظرها، لا تتعلق فقط بقرار عسكري مؤجل خمسة أيام أو بمسار محادثات لخفض التصعيد، بل بمبدأ قانوني واضح: المدنيون والبنى الضرورية لحياتهم اليومية ليسوا أهدافا مشروعة للحرب.
وتشدد منظمة العفو الدولية على أن تعمد استهداف البنى التحتية المدنية، ومنها محطات الطاقة، محظور في الأصل. وحتى إذا اعتُبرت بعض هذه المنشآت أهدافا عسكرية في ظروف محددة، فإن مهاجمتها تصبح غير مشروعة إذا كان من شأن ذلك أن يوقع أضرارا غير متناسبة بالمدنيين. ومن هنا تنطلق المنظمة إلى نتيجة أكثر حدة، مفادها أن استهداف محطات الطاقة في إيران، نظرا إلى اعتماد عشرات الملايين عليها في الماء والغذاء والرعاية الصحية وسبل العيش، قد يكون غير متناسب، وبالتالي غير مشروع، وقد يرقى إلى جريمة حرب.
ومن الزاوية نفسها، تبدو تهديدات إيران باستهداف منشآت الطاقة في المنطقة الخليجية -ردا على ذلك- غير قانونية أيضا، لأنها تتعلق ببنى تحتية مدنية حيوية لا يجوز تحويلها إلى أهداف عسكرية لمجرد التصعيد أو الرد. فالقانون الدولي الإنساني لا يبيح استهداف المرافق التي تقوم عليها حياة المدنيين اليومية، كما أن انتهاك طرف لهذا القانون لا يفتح الباب أمام انتهاك مماثل من الطرف الآخر. لذلك فإن أي هجوم على منشآت الطاقة في دول الخليج العربية من شأنه أن يشكل تهديدا مباشرا للمدنيين وحقوقهم الأساسية، ولا سيما الحق في الماء والكهرباء والمعيشة الآمنة.
تداعيات متشابكة
وتوسع المنظمة زاوية النظر من لحظة القصف المحتمل إلى ما بعده. فعندما تنهار محطات الطاقة، لا يتوقف الأمر عند انقطاع الكهرباء فقط، بل تبدأ سلسلة من التداعيات المتشابكة: تتعطل محطات ضخ المياه فتشتد ندرة المياه النظيفة وتزداد مخاطر الأمراض، وتفقد المستشفيات الكهرباء والوقود فتتوقف العمليات الجراحية وتتعطل أجهزة الإنعاش والرعاية الحيوية، وتتعثر شبكات إنتاج الغذاء وتوزيعه فتتصاعد احتمالات الجوع والنقص الواسع في المواد الأساسية، كما تغلق الشركات والأعمال أبوابها، بما يعنيه ذلك من بطالة وخسائر اقتصادية كبرى. وهكذا يصبح استهداف الطاقة استهدافا للبنية التي تقوم عليها الحياة المدنية نفسها.
وتضيف المنظمة بعدا آخر لا يقل خطورة، هو العزلة. فهي ترى أن إلحاق ضرر كارثي بقدرات توليد الكهرباء المدنية في إيران، في وقت أدى القطع المتعمد والمطول للإنترنت -بحسب وصفها- إلى عزل السكان أصلا، من شأنه أن يقطع ما تبقى لهم من صلة بالعالم الخارجي، بما في ذلك الوصول إلى البث الفضائي. وهنا لا يعود الأمر مجرد تدهور خدمي، بل يتحول إلى مساس مركب بحقوق أساسية، من الحق في الحياة إلى الحق في الماء والغذاء والرعاية الصحية والمستوى المعيشي اللائق.
ويضع هذا الموقف الحقوقي التصعيد الأخير في سياقه الأوسع. ففي 21 مارس/آذار، وجه ترامب إنذارا نهائيا مدته 48 ساعة إلى إيران لإعادة فتح مضيق هرمز، مهددا بمحو محطات الطاقة الإيرانية “من الوجود” بدءا من أكبرها، إذا لم تمتثل طهران. ثم قال في 23 مارس/آذار إنه أمر بتأجيل الضربات المقررة خمسة أيام بعد محادثات مع مسؤولين إيرانيين لخفض التصعيد.
غير أن منظمة العفو الدولية ترى أن جوهر القضية لا يتغير بتأجيل الضربة أو تعليقها مؤقتا، لأن مجرد التهديد باستهداف منشآت حيوية يعتمد عليها ملايين المدنيين يكشف استعدادا لتجاوز الخطوط التي رسمها القانون الدولي الإنساني لحماية الإنسان زمن الحرب.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
