الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

فنزويلا بين إنفاذ القانون وانتهاك السيادة: اختبار جديد لحقوق الإنسان

7 يناير, 2026

في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، أعادت العملية العسكرية الأميركية في فنزويلا، وما تلاها من إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو، ومحاكمته في الولايات المتحدة، نقاشا عميقا يتجاوز السياسة المباشرة إلى صلب قضايا حقوق الإنسان والحريات العامة وسيادة القانون الدولي. هذا النقاش لم يقتصر على عواصم القرار، بل وصل سريعًا إلى قاعة مجلس الأمن، حيث تصدّرت المخاوف من الانزلاق نحو عدم استقرار أوسع، ومن تداعيات تمس النظام الدولي برمّته.

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أعرب، في بيان، عن قلق بالغ إزاء تطورات الأوضاع في فنزويلا عقب العملية العسكرية الأميركية، معتبرا أن هذه العملية قوّضت مبدأً أساسيًا في القانون الدولي يتمثل في حظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. وأكد أن المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، رغم جسامتها في فنزويلا، لا يمكن تحقيقها عبر تدخل عسكري أحادي يخالف القانون الدولي، بل من خلال مسار عادل يضع الضحايا في صلب العملية. وحذّر من أن استمرار عدم الاستقرار والتصعيد العسكري قد يزيد من تدهور أوضاع حقوق الإنسان، خاصة في ظل إعلان حالة الطوارئ التي تتيح تقييد حرية التنقل، ومصادرة الممتلكات، وتعليق الحق في التجمع والاحتجاج. ودعت المفوضية الولايات المتحدة والسلطات الفنزويلية والمجتمع الدولي إلى احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، مؤكدا أن مستقبل فنزويلا يجب أن يقرره الشعب الفنزويلي وحده، مع ضمان حقه في تقرير المصير والسيادة على حياته وموارده.

وقد عبّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس بوضوح عن هذا القلق، محذرًا من احتمال تفاقم عدم الاستقرار في فنزويلا، ليس فقط داخل حدودها، بل على مستوى أمريكا اللاتينية ككل. وفي موقف يعكس حساسية اللحظة، شدد غوتيريس على أن “الوضع دقيق، لكن لا يزال من الممكن تجنب انفجار أوسع وأكثر تدميرًا”، داعيًا جميع الأطراف الفنزويلية إلى الانخراط في حوار ديمقراطي شامل يتيح لكل أطياف المجتمع المشاركة في تقرير مستقبل البلاد.

هذا النداء الأممي لم يكن مجرد دعوة سياسية، بل حمل في طياته تأكيدًا على مبادئ أساسية تشكّل جوهر منظومة حقوق الإنسان والحريات العامة: السيادة، والاستقلال السياسي، ووحدة الأراضي، ورفض فرض التغيير بالقوة. فوفق القانون الدولي، لا تُقاس شرعية الأفعال فقط بنتائجها المعلنة، بل بمدى احترامها للقواعد التي تحمي الشعوب من منطق القوة وتكفل لها حق تقرير المصير.

قلق الأمم المتحدة لم يكن معزولًا. فقد عبّرت كولومبيا، العضو الجديد في مجلس الأمن، عن مخاوفها من نوايا الولايات المتحدة، مؤكدة أن ميثاق الأمم المتحدة لا يجيز استخدام القوة إلا في ظروف استثنائية جدًا، مثل الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن. والأهم، كما شددت السفيرة الكولومبية، أن حتى هذه الحالات لا تبرر السيطرة السياسية على دولة أخرى أو فرض مسار سياسي بالقوة، لما يحمله ذلك من انتهاك مباشر لحقوق الشعوب وحرياتها.

في المقابل، دافعت الولايات المتحدة عن عمليتها باعتبارها “عملية إنفاذ قانون” استهدفت شخصين متهمين من القضاء الأميركي، مؤكدة أنها لا تشن حربًا على فنزويلا ولا تسعى إلى احتلالها. غير أن هذا التبرير يثير تساؤلات حقوقية جوهرية: هل يمكن لدولة أن تطبق قانونها الوطني خارج حدودها بالقوة العسكرية؟ وأين تقف حدود إنفاذ القانون حين تتقاطع مع سيادة الدول وحقوق شعوبها في الحماية من التدخل الخارجي؟

قدّم مندوب فنزويلا لدى الأمم المتحدة قراءة مختلفة تمامًا عن تلك الأمريكية، معتبرًا أن بلاده تعرضت لاعتداء غير مشروع وانتهاك واضح لميثاق الأمم المتحدة، مدفوعا بعوامل تتعلق بالموارد الطبيعية والمصالح الجيوسياسية. وأكد أن تداعيات ما جرى لا تطال فنزويلا وحدها، بل تمتد إلى الثقة بالقانون الدولي وبالمنظومة الأممية ذاتها، محذرًا من سابقة خطيرة تسمح لدول بأن تنصّب نفسها قاضيًا ومتحكمًا في النظام العالمي.

من زاوية حقوق الإنسان، تتجاوز خطورة هذه التطورات مسألة الصراع السياسي بين الحكومات. فالتصعيد العسكري أو فرض الحلول بالقوة غالبًا ما يدفع المدنيون ثمنه: عند تراجع الحريات العامة، وتضييق المساحات الديمقراطية، وتبرير القمع الداخلي تحت مبرر “التهديد الخارجي”، وعند ارتفاع منسوب الخوف وعدم الأمان. كما أن زعزعة الاستقرار قد تتسبب في أزمات إنسانية أوسع، مثل النزوح الداخلي والهجرة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، ما ينعكس مباشرة على الحقوق الأساسية للمواطنين.

لخّصت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روزماري ديكارلو هذا القلق حين شددت على ضرورة التمسك بالمبادئ التي تحمي السلام والأمن الدوليين، وفي مقدمتها حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد الدول ذات السيادة. فحين يُنتَهك هذا المبدأ، لا تكون الضحية دولة بعينها فقط، بل منظومة كاملة صُممت أساسًا لحماية البشر من ويلات الحروب والتدخلات.

وأخيرا، تكشف أزمة فنزويلا الراهنة هشاشة التوازن بين الأمن، والسياسة، وحقوق الإنسان. وهي تذكير بيّن بأن حماية الحريات العامة لا تنفصل عن احترام القانون الدولي، وأن أي مسار يتجاوز الحوار والدبلوماسية يهدد بتكريس منطق القوة على حساب كرامة الإنسان. وبين الدعوات إلى المحاسبة، والمخاوف من التصعيد، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المجتمع الدولي على الانحياز للشرعية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات، وبما يحفظ السلم وحقوق الإنسان معًا.

 

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع