سجناء إيران بين نارين
دمار داخل مجمع سجن إيفين عقب الغارات الإسرائيلية في يونيو/حزيران (الأوروبية)
يجد آلاف المعتقلين في إيران أنفسهم اليوم بين نارين: نار الغارات الأمريكية والإسرائيلية التي تقترب من أسوار السجون، ونار الانتهاكات التي تُتهم السلطات الإيرانية بارتكابها داخل تلك السجون، من إعدامات جماعية وتدهور حاد في ظروف الاحتجاز.
هذا ما تحذّر منه هيومن رايتس ووتش وشبكة حقوق الإنسان في كردستان في تقرير جديد يرسم صورة قاتمة عن مصير السجناء في ظل التصعيد العسكري الراهن.
قنابل قرب الأسوار
ووفق التقرير، يواجه آلاف المعتقلين، بينهم سجناء سياسيون وأطفال، خطر الإصابة أو الموت جرّاء الغارات الأمريكية والإسرائيلية، وهم لا يملكون أي وسيلة للهرب أو الاحتماء. وتشير المنظمتان إلى أن بعض تلك الغارات التي انطلقت يوم 28 فبراير/شباط الماضي وقعت قرب سجون ومراكز احتجاز رئيسية في أنحاء مختلفة من البلاد.
وبحسب شهادات عائلات السجناء ومصادر حقوقية، استهدفت بعض الضربات مواقع في محيط سجن إيفين، وسجن طهران المركزي، وسجن أصفهان المركزي، وسجن مهاباد في أذربيجان الغربية، وسجن زنجان المركزي، في حين تضرر سجن مريوان في إقليم كردستان نتيجة إحدى الضربات المباشرة.
ذعر في الزنازين
في إحدى الشهادات التي أوردها التقرير، قالت عائلة الزوجين البريطانيين ليندسي وفريغ فورمان، المعتقلَين في إيران منذ يناير/كانون الثاني 2025، إن ضربة قرب سجن إيفين في 28 فبراير/شباط أدت إلى تحطيم النوافذ وتساقط أجزاء من السقف في الجناح الذي يُحتجزان فيه.
وفي سجن زنجان –حيث تُحتجز المدافعة عن حقوق الإنسان الحاصلة على جائزة نوبل للسلام نرجس محمدي– نقل أقرباء سجناء أن النزلاء كانوا يسمعون دويّ الغارات وسط حالة من الذعر. وفي 31 مارس/آذار، أعلنت جمعية الهلال الأحمر الإيراني أنها أخرجت ناجين من تحت الأنقاض بعد ضربة استهدفت “حسينية أعظم” في زنجان، على بُعد بضعة كيلومترات فقط من السجن المركزي. وتقول منظمات حقوقية إن الحالة الصحية لمحمدي متدهورة، وإنها ربما تعرضت لأزمة قلبية بعد حرمانها من الرعاية الطبية.
وفي إقليم كردستان، حذّرت شبكة حقوق الإنسان يوم 13 مارس/آذار مما يواجهه المحتجزون وسط موجة من الضربات على منشآت استخبارية وأمنية، بينها قاعدة “شهرامفر” التابعة للحرس الثوري في مدينة سنندج، التي توثق منظمات حقوقية منذ سنوات استخدامها مركز احتجاز سري للمعتقلين السياسيين.
سجلّ سابق
هيومن رايتس ووتش ذكّرت بأن القوات الإسرائيلية نفذت خلال جولة التصعيد السابقة في يونيو/حزيران 2025 ضربة غير قانونية على سجن إيفين، وصفتها بأنها “جريمة حرب”، وأسفرت عن مقتل وإصابة عشرات السجناء والمدنيين.
وبحسب المنظمة، تجاهلت السلطات الإيرانية آنذاك النداءات المتكررة من السجناء لمنحهم إفراجا مؤقتا أو إجازات إنسانية تحميهم من القصف، وتشير إلى أن السيناريو نفسه يتكرر اليوم مع استمرار الغارات وتزايد الخطر على حياة آلاف المعتقلين الذين لا يستطيعون الهرب أو الاحتماء.
اعتقالات جماعية
وفي تقريرهما الصادر أمس الأربعاء، قالت المنظمتان إن السلطات، بدلا من الإفراج عن السجناء لأسباب إنسانية، تواصل اعتقال المعارضين الفعليين والمفترضين وتنفيذ أحكام الإعدام بحق سجناء سياسيين.
وذكرت المنظمتان أن السلطات نفذت منذ ما قبل الحرب الحالية حملات اعتقال واسعة شملت عشرات الآلاف من المتظاهرين، بينهم أطفال ومدافعون عن حقوق الإنسان ومحامون وعاملون في القطاع الصحي، وكثير منهم محتجزون في مرافق سرية ويتعرضون للاختفاء القسري.
ودعت المنظمتان الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الضغط من أجل الإفراج عن المحتجزين تعسفا، ووقف الإعدامات، وتفعيل الآليات القانونية للإفراج الإنساني عن السجناء في ظل المخاطر المتزايدة.
ولا يقتصر القلق على خطر القصف المباشر، فقد نبّه التقرير إلى تدهور إضافي في أوضاع السجون الإيرانية، من انخفاض لكميات الطعام، ونقص الأدوية والرعاية الطبية، ووقف تحويل السجناء إلى المستشفيات حتى في الحالات الحرجة، إلى جانب ارتفاع أسعار المواد المتوفرة في متاجر السجون وحرمان السجناء من الزيارات، مما فاقم القلق خاصة لدى السجينات الأمهات.
وقالت المنظمتان إن قوات الأمن استخدمت القوة، بما فيها الذخيرة الحية والغاز المدمع، لقمع احتجاجات داخل عدد من السجون على الرغم من الظروف المتدهورة والخوف من القصف.
وحذّر التقرير أيضا من تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام، خصوصا في قضايا ذات طابع سياسي. وذكّر بأنه بين 18 و31 مارس/آذار المنقضي أُعدِم ما لا يقل عن 8 رجال بتهم تشمل “التجسس” و”المحاربة عبر عضوية مجاهدي خلق”، في محاكمات وُصفت بأنها جائرة وسريعة، مع تقارير عن انتزاع اعترافات تحت التعذيب وغياب الإخطار السابق للأهالي والمحامين.
وترى المنظمتان أن الجمع بين تكثيف الإعدامات، وتدهور أوضاع السجون، وخطر الغارات على منشآت قريبة من مرافق الاحتجاز، يضع حياة آلاف السجناء في مهبّ تهديد مضاعف.
وحثت المنظمتان جميع أطراف النزاع باحترام القانون الإنساني الدولي الذي يَعُد السجون مرافق مدنية، ويصنف الهجمات المتعمَّدة أو المتهورة عليها جرائم حرب. ودعتا إلى إعطاء أولوية لحماية السجناء وضمان وصول المساعدات والدواء والرعاية الطبية إليهم، ووقف الإعدامات والإفراج عن المحتجزين تعسفاً، بينما يظل هؤلاء عالقين بين نار القصف الخارجي ونار القمع الداخلي، وفق المنظمتين.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
