تجنيد الأطفال بإيران
لا تكمن خطورة إعلان حملة التعبئة الجديدة في إيران في الرقم وحده، بل في ما يكشفه هذا الرقم سياسيا وقانونيا وأخلاقيا. فعندما يُخفض الحد الأدنى لسن الانخراط في حملة مرتبطة بالحرس الثوري إلى 12 عاما، فإن القضية لا تعود مجرد إجراء تعبوي استثنائي في ظرف أمني مضطرب، بل تتحول إلى مؤشر على استعداد المؤسسة العسكرية وشبه العسكرية لتوسيع دائرة المجندين لتشمل الأطفال أنفسهم.
ووفق التقرير الصادر عن هيومن رايتس ووتش بتاريخ 31 مارس/آذار 2026، فإن مسؤولا في تشكيل تابع للحرس الثوري أعلن في 26 مارس/آذار 2026 أن حملة “المدافعين عن الوطن من أجل إيران” حددت سن التجنيد الأدنى بـ 12 عاما، وهو ما رأته المنظمة انتهاكا جسيما لحقوق الطفل، وقد يرقى إلى جريمة حرب عندما يكون عمر المجندين أقل من 15 عاما.
تنبع أهمية هذا التطور من أنه لا يقع في فراغ. فالحملة تأتي، بحسب النص، في ظل هجمات واسعة تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على أنحاء مختلفة من البلاد، ما يعني أن الأطفال الذين يُدفعون إلى مواقع مرتبطة بالبنى العسكرية أو الأمنية قد يصبحون عرضة مباشرة للموت أو الإصابة. وهنا تتضح المفارقة الخطيرة: الدولة لا تكتفي بتعريض الأطفال لمخاطر الحرب بصورة غير مباشرة، بل تخلق آلية رسمية قد تنقلهم إلى قلب المجال العسكري نفسه، سواء تحت لافتة الخدمة المدنية أو الدفاع عن الوطن. التقرير يذكر بوضوح أن الأنشطة المعلنة للحملة تشمل تقديم خدمات الطهي والرعاية الطبية وتوزيع المواد والتعامل مع المنازل المتضررة وتوفير أفراد لدوريات نقاط التفتيش والدوريات العملياتية وأنشطة أمنية أخرى كالاستطلاع ونحوه. هذه القائمة توضح أن الحديث لا يدور عن نشاط رمزي أو تعبوي صرف، بل عن انخراط عملي في بنية أمنية مرتبطة مباشرة بمسرح النزاع.
الخطورة القانونية هنا مزدوجة. فمن جهة، تحظر اتفاقية حقوق الطفل تجنيد الأطفال دون 15 عاما، ويؤكد تقرير هيومن رايتس ووتش أن هذا الحظر يشكل قاعدة ملزمة في القانون الدولي العرفي، وأن تجنيد الأطفال دون هذه السن يُعد جريمة حرب. ومن جهة ثانية، حتى عندما لا تشارك الفئة العمرية الصغرى في الأعمال العدائية بصورة مباشرة، فإن إدخالها إلى محيط العمليات والحواجز والدوريات والبنية اللوجستية العسكرية يضعها في دائرة الخطر الحاد ويقوض المبدأ الأساسي الذي يفترض أن يحكم علاقة الدولة بالأطفال: الحماية لا التعبئة. ويزيد التناقض وضوحا حين يشير التقرير نفسه إلى أن القوانين الإيرانية تنص صراحة على منع تجنيد من هم دون 15 عاما في القوات العسكرية، وأن اللوائح الداخلية للحرس الثوري تشترط في حالات أخرى أعمارا أعلى، إذ لا يقل عمر بعض فئات الأفراد عن 16 عاما، بينما أبلغت إيران لجنة حقوق الطفل سابقا بأن الحد الأدنى للانضمام إلى القوات المسلحة لغرض التدريب العسكري هو 16 عاما، و17 عاما لقوات الشرطة. أي أن المشكلة ليست فقط في تعارض الحملة مع المعايير الدولية، بل أيضا في تناقضها مع ما تقوله الدولة نفسها عن حدود التجنيد القانوني.
غير أن المسألة لا ينبغي قراءتها باعتبارها انحرافا عارضا. فالتقرير يضع هذه الحملة ضمن سياق تاريخي مقلق، إذ يذكّر بأن إيران سبق أن جندت أطفالا دون 18 عاما في قوات الباسيج والحرس الثوري، وأرسلت أطفالا جنودا خلال الحرب الأهلية في سوريا، كما دعمت الحكومة السورية عبر تجنيد أطفال أفغان مهاجرين يعيشون في إيران. كذلك وثقت المنظمة مقتل فتيان لا تتجاوز أعمارهم 14 عاما في القتال في سوريا. والأبعد من ذلك، يعيد التقرير التذكير بأن السلطات الإيرانية جندت خلال الحرب العراقية-الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي مئات الآلاف من الأطفال للقتال، وقُتل منهم عشرات الآلاف. هذه الأرقام لا تُستخدم هنا لمجرد السرد التاريخي، بل لتأكيد وجود نمط متكرر: كلما اشتدت الضغوط العسكرية أو الأمنية، عادت الدولة إلى خزان الطفولة باعتباره احتياطيا تعبويا.
الشق الآخر من الأزمة يتمثل في محاولة إعادة تعريف التجنيد نفسه لغويا ومؤسسيا. فالسلطات لا تقدم الحملة بوصفها تجنيدا صريحا لأطفال في تشكيل قتالي، بل ضمن عنوان “مدافعين عن الوطن” ومهام مدنية وأمنية مساندة. لكن هذا الاتفاف شكلي لا يغير جوهر المسألة. فممثل الأمم المتحدة المعني بالأطفال والنزاع المسلح، كما يرد في التقرير، شدد على أنه بصرف النظر عن كيفية تجنيد الأطفال، فإن الأطفال المرتبطين بأطراف النزاع يتعرضون لمستويات حادة من العنف. المعنى هنا واضح: الخطر لا يبدأ من لحظة حمل السلاح فقط، بل من لحظة ربط الطفل بمنظومة الحرب. وحين يظهر، بحسب وصف الملصق الدعائي الذي أشار إليه الملف، طفلان إلى جانب بالغين، أحدهما يرتدي الزي العسكري، فإن الرسالة الرمزية لا تقل خطورة عن الممارسة نفسها: تطبيع حضور الطفل داخل الفضاء العسكري.
ويكتسب هذا كله معنى أكثر قتامة إذا وُضع في سياق اتساع الضربات داخل إيران. فالتقرير يشير إلى أن الأطفال في إيران يتعرضون أصلا لهجمات غير قانونية، ويذكر مثال الهجوم على مدرسة ابتدائية في ميناب في 28 فبراير/شباط الذي أسفر عن مقتل عشرات التلاميذ ومدنيين آخرين، مع الإشارة إلى وجوب التحقيق فيه باعتباره جريمة حرب محتملة. وفي ظل بيئة كهذه، يصبح خفض سن التجنيد انتهاكا مستقلا وقرارا يضاعف هشاشة الأطفال في بلد صاروا فيه أصلا معرضين للقتل داخل المدارس أو بالقرب من الأهداف العسكرية. أي أن الدولة، بدل أن تبني جدار حماية أعلى حول الطفولة في زمن الحرب، تدفع بها إلى مساحة أكثر تعرضا للخطر.
خفض سن التجنيد إلى 12 عاما ليس علامة قوة، بل علامة أزمة. فالدول الواثقة من قدرتها على إدارة الحرب والمجتمع لا تلجأ إلى الأطفال لسد “القوى العاملة الإضافية”، وهو التعبير الذي استخدمته المنظمة لوصف ما يبدو أنه منطق السلطات الإيرانية. وعندما تصبح الطفولة جزءا من الاحتياط العسكري أو الأمني، فإن ذلك يكشف حدود التعبئة الوطنية القائمة على الإقناع، ويستبدلها بتعبئة تقوم على توسيع قاعدة القابلين للاستغلال. لهذا لا تبدو المسألة إدارية أو مؤقتة، بل اختبارا حقيقيا لمدى التزام إيران بالقانون الدولي وبالحد الأدنى من أخلاقيات حماية الطفل في زمن الحرب. يخلص التقرير صراحة إلى أن على المسؤولين الإيرانيين إلغاء الحملة ومنع جميع القوات العسكرية وشبه العسكرية من تجنيد الأطفال دون 18 عاما، لأن ما هو مطروح حاليا لا يمثل مجرد تجاوز قانوني، بل سياسة تضع الأطفال بين مطرقة الحرب وسندان الدولة معا.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
