اليمن: اعتقالات تُعطَّل المساعدات وتوسع الأزمات
يتحرك اليمن اليوم على حافة ثلاث أزمات متداخلة: قمع الحيز المدني واستهداف العاملين في المجال الإنساني، وتدهور الأمن الغذائي، وانهيار المؤشرات الصحية على رأسها الكوليرا وسوء التغذية. بحسب هيومن رايتس ووتش، أسهم تصعيد الحوثيين لاعتقالات موظفي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، ومداهمة المكاتب ومصادرة المعدات، في شلّ عمليات إنقاذ الأرواح، في بلد يُعد من الأسوأ عالميًا على مستوى الاحتياج الإنساني. في هذا الملف، نعرض ثلاث زوايا متكاملة تكشف كيف يؤدي تعطيل المساعدات إلى تعميق الجوع وتوسيع رقعة المرض، وكيف تصبح المساءلة الإنسانية والقانونية جزءًا من معركة البقاء.
اعتقالات تهدد البرامج المنقذة للحياة
تشهد مناطق سيطرة جماعة الحوثي في اليمن تصعيدًا خطيرًا في الاعتقالات التعسفية والإخفاءات القسرية التي تستهدف موظفي الأمم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان. فخلال الثمانية عشر شهرًا الماضية، اعتقلت السلطات الحوثية تعسفيا ما لا يقل عن 69 موظفا أمميا، جميعهم يمنيون، إلى جانب عشرات العاملين في منظمات غير حكومية محلية ودولية، دون أوامر قضائية أو توفير أي ضمانات للإجراءات القانونية الواجبة، وفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش.
وتشير المنظمة إلى أن العديد من المحتجزين وُجّهت إليهم اتهامات لا أساس لها بالتجسس، وأن بعضهم اختفى قسريًا لعدة أشهر، دون تمكينه من التواصل مع محامين أو الحصول على رعاية طبية كافية. وفي سياق متصل، داهم الحوثيون مكاتب وكالات أممية ومنظمات إغاثة، واستولوا على معدات تقنية من بينها أجهزة اتصال وحواسيب، ما أدى إلى تعطيل الوصول إلى البيانات والقدرة على تنفيذ البرامج الإنسانية.
أخطر ما في هذه الحملة أنها لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تستهدف فعليًا فكرة العمل الإنساني بوصفه “فضاءً محميًا” يفترض أن يبقى خارج الحسابات الأمنية والسياسية. وتؤكد مصادر إغاثية أن الموظفين باتوا عاجزين عن الذهاب إلى مكاتبهم أو التنقل بحرية خوفًا من الاعتقال، ما انعكس على سرعة الاستجابة الإنسانية وعلى تنفيذ البرامج المنقذة للحياة.
وتضيف هيومن رايتس ووتش أن نمط الاعتقالات يتقاطع مع قمع الحيز المدني في اليمن، حيث تُستخدم تهم التجسس لتجريم العمل الحقوقي والإنساني وإسكات الأصوات المستقلة، مع الإشارة إلى محاكمات جائرة في محاكم يسيطر عليها الحوثيون، وبث اعترافات قسرية عبر الإعلام. وقد أكد مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان سابقًا أن بث تصريحات انتُزعت بالإكراه “غير مقبول” ويشكل في حد ذاته انتهاكًا لحقوق الإنسان، بحسب ما ورد في التقرير.
وتحذر المنظمة من أن استمرار الاعتقالات سيجبر بعض وكالات الإغاثة على إعادة تقييم قدرتها على الاستمرار، بينما يتحمل المدنيون ثمن ذلك مباشرة. ومن هنا، تدعو هيومن رايتس ووتش الأمم المتحدة والمنظمات المستقلة والحكومات المعنية إلى اتخاذ كل الإجراءات الممكنة لضمان الإفراج عن المحتجزين، وإنهاء عرقلة إيصال المساعدات.
الأمن الغذائي: سنوات من التدهور
يُعد اليمن إحدى أشد بؤر الجوع عالميًا، غير أن خطورة الأزمة تتضاعف حين تتقاطع الاحتياجات المتزايدة مع تعطيل العمل الإنساني. ووفق ما نقلته هيومن رايتس ووتش عن تقرير مشترك لبرنامج الأغذية العالمي (WFP) ومنظمة الأغذية والزراعة (FAO)، فإن انعدام الأمن الغذائي الحاد والخطير بالفعل مرشح لمزيد من التدهور خلال الفترة بين نوفمبر/تشرين الثاني 2025 ومايو/أيار 2026، مع توقع مواجهة شرائح من السكان “كارثة” في أربع مديريات تحت سيطرة الحوثيين.
تتجلى المؤشرات الأكثر حدة في محافظة صعدة، حيث يُظهر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي أن التدهور انتقل من مستويات أزمة واسعة إلى مستويات طوارئ أشمل. ففي 2022، توقّع التصنيف أن 63% من سكان صعدة يعيشون في مستويات الأزمة أو أعلى، بينما بحلول يونيو/حزيران 2025 أصبحت الغالبية في المرحلة الرابعة (الطوارئ) وفق خريطة التصنيف التي أوردها التقرير.
ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى أن موجات الاعتقال والمداهمات والمصادرات ترافقت مع تقليص كبير في حضور المنظمات الإنسانية في بعض المحافظات الشمالية. ففي يوليو/تموز 2024 كانت 15 منظمة أممية وإغاثية تعمل في 14 مديرية ضمن 26 برنامجًا تشمل الأمن الغذائي والتغذية والمياه والصرف الصحي والصحة والمأوى. لكن بحلول يوليو/تموز 2025 لم يتبق سوى منظمتين تعملان في ثلاث مديريات في مجالَي الصحة والتغذية فقط. هذا الانكماش الميداني يعني فعليًا اختفاء شبكات الدعم التي يعتمد عليها السكان للبقاء.
ولا تقتصر العوامل على الاعتقالات وحدها؛ إذ تشير هيومن رايتس ووتش إلى تزامن ذلك مع خفض المساعدات الخارجية وتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، ما دفع جهات مانحة ومنظمات إلى الانسحاب أو تقليص التمويل، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتعطل سلاسل الإمداد ونزوح السكان وتدهور القدرة الشرائية.
في بلد يعيش ملايين من سكانه على المساعدات، يصبح تعطيلها مساسًا مباشرًا بالحق في الحصول على الغذاء وبالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. وتُبرز المعطيات أن الحل لا يتعلق فقط بزيادة التمويل، بل بتأمين البيئة الآمنة لعمل المنظمات، وحماية العاملين الإنسانيين، وضمان عدم التلاعب بقوائم المستفيدين أو تحويل المساعدات عن مسارها.
الكوليرا وسوء التغذية: أزمة تتسع مع انهيار الإغاثة
في اليمن، لا يقف خطر الجوع عند حدود نقص الغذاء، بل يمتد إلى انهيار صحي يتغذى على سوء التغذية وضعف خدمات المياه والصرف الصحي، ما يعيد تفشي الأوبئة إلى الواجهة، وعلى رأسها الكوليرا. ويشير تقرير هيومن رايتس ووتش إلى تحذيرات من عاملين في المجال الصحي من أن الوضع “كارثي بالفعل” وأن غياب المنظمات وشركائها في قطاع الصحة قد يقود إلى انهيار القطاع الصحي في شمالي اليمن.
تُظهر المعطيات الواردة في البيان المشترك لأكثر من 30 منظمة إغاثة—الذي استند إليه تقرير هيومن رايتس ووتش—أن أكثر من 100 مديرية في اليمن تواجه طوارئ غذائية حرجة، مع “زيادة غير مسبوقة” في مستويات سوء التغذية. وفي مديرية عبس بمحافظة حجة، ورد أن أطفالًا توفوا جوعًا مع ارتفاع معدلات سوء التغذية، فيما يتوقع ارتفاع سوء التغذية الحاد بنسبة 15–30% في مناطق مثل الحديدة وتعز بحلول نهاية العام.
هذه الأرقام لا تُقرأ بمعزل عن تعطيل برامج الصحة والمياه والصرف الصحي. فضعف الوصول إلى مياه نظيفة وخدمات صرف صحي—مع تقليص البرامج أو توقفها—يزيد قابلية تفشي الكوليرا، بينما يؤدي سوء التغذية إلى إضعاف المناعة ورفع معدل الوفيات، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل.
ويبرز هنا أثر الاعتقالات ومصادرة المعدات وتعطيل حركة العاملين؛ إذ تؤكد شهادات أوردها تقرير هيومن رايتس ووتش أن المنظمات تواجه صعوبات في التواصل والوصول إلى البيانات اللازمة للتقارير والاستجابة، وأن بعض الموظفين اضطروا للفرار من مناطق سيطرة الحوثيين بسبب المخاطر. ومع تراجع قدرة المنظمات على العمل، تصبح المستشفيات والعيادات—التي يعتمد كثير منها على دعم الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية—أقرب إلى العمل في “وضع الحد الأدنى” أو الانهيار.
تؤكد هذه الوقائع أن الحق في الصحة في اليمن بات مرتبطًا بشكل مباشر بحماية العمل الإنساني نفسه. وعندما تُستهدف مؤسسات الإغاثة أو تُحاصر، لا يتوقف التمويل وحده، بل تتوقف معها اللقاحات والعلاجات ورعاية الطوارئ، وتتحول الأزمات الصحية إلى مآسٍ مفتوحة بلا شبكات إنقاذ.
توضح هذه الزوايا الثلاث أن الأزمة اليمنية لم تعد مجرد “حالة إنسانية صعبة”، بل صارت معادلة قمع–جوع–مرض تتغذى حلقاتها بعضها من بعض. وبحسب ما خلصت إليه هيومن رايتس ووتش، فإن الإفراج عن المحتجزين ووقف الاعتقالات والمداهمات، وتأمين بيئة عمل آمنة للمنظمات الإنسانية، ليست قضايا إجرائية فحسب، بل شروط أساسية لوقف التدهور ومنع سقوط المزيد من المدنيين ضحايا للجوع والمرض والانتهاكات.
المصدر: هيومن رايتس ووتش (8 يناير/كانون الثاني 2026) – “اعتقالات الحوثيين توقف المساعدات في اليمن المنكوب بالأزمات”.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
