الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية
06 أغسطس, 2023

الرق عبر الأطلسي.. لماذا تعارض أوروبا توصيفه “أفظع جريمة ضد الإنسانية”؟

26 مارس, 2026
أفارقة يُقتادون للصعود على متن سفينة متجهة للولايات المتحدة في رسم يعود إلى عام 1881 (غيتي)<br />

أفارقة يُقتادون للصعود على متن سفينة متجهة للولايات المتحدة في رسم يعود إلى عام 1881 (غيتي)

لم تعترض أوروبا لأن العبارة قاسية، بل لأن كلفتها عالية. فتصنيف الرق عبر الأطلسي بوصفه من أفظع الجرائم ضد الإنسانية لا يعيد فقط تسمية واحدة من أبشع صفحات التاريخ، بل يضع أيضا سؤالا مقلقا أمام القوى التي استفادت منها: من يتحمل اليوم تبعات جريمة الأمس؟

فحين دفعت غانا نحو قرار أممي يصف استعباد الأفارقة والاتجار بهم عبر الأطلسي بأنه من أفظع الجرائم ضد الإنسانية، لم يكن الاعتراض الأوروبي مجرد تحفظ قانوني بارد، بل كان تعبيرا عن قلق أعمق: أن يتحول الاعتراف التاريخي إلى مساءلة سياسية، وأن تنقلب الذاكرة من سردية عادية إلى استحقاق مفتوح عنوانه الاعتذار والتعويض وردّ المظالم.

هذا بالضبط ما جعل القرار الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، يتجاوز كونه خطوة رمزية عابرة. فالقرار الذي تقدمت به غانا حاز تأييد 123 دولة، في حين عارضته 3 دول فقط، هي الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين، بينما امتنعت 52 دولة عن التصويت، بينها بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي. ورغم أن القرار غير ملزم قانونيا، فإنه يحمل وزنا سياسيا وأخلاقيا واضحا، لأنه يفتح الباب أمام إعادة تعريف العلاقة بين التاريخ والعدالة، وبين الاعتراف بالجريمة وتحمل تبعاتها.

وتقول غانا إن القرار ضروري لأن العبودية عبر الأطلسي لم تكن مجرد ممارسة بائدة، بل جريمة ممتدة الأثر حتى اليوم. فاقتلاع ملايين الأفارقة من أوطانهم، وبيعهم واستغلالهم عبر قرون، لم يخلّف فقط مآسي إنسانية فردية، بل أنتج أيضا اختلالات بنيوية لا تزال حاضرة في صور التفاوت العرقي، والتهميش الاقتصادي، واختلال توزيع الثروة والفرص بين الشمال والجنوب. ولهذا شدد وزير الخارجية الغاني صامويل أبلاكوا على أن القرار يدعو إلى المساءلة، لا إلى اجترار الماضي من أجل البكاء عليه.

ويستند هذا الطرح إلى أرقام ثقيلة. فالعبودية عبر الأطلسي شهدت، بحسب ما ورد في المناقشات الأممية، اقتياد وبيع ما لا يقل عن 12.5 مليون أفريقي بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر. وهي أرقام لا تُستدعى هنا بوصفها مجرد معطيات تاريخية، بل كقرينة على حجم الجريمة وطابعها المنهجي والعابر للحدود. ومن هذا المنظور، فإن تصنيفها ضمن أخطر الجرائم ضد الإنسانية ليس شأنا لغويا أو رمزيا، بل هو مدخل لإعادة بناء الذاكرة الدولية على أساس أكثر إنصافا.

القرار الذي تقدمت به غانا حاز تأييد 123 دولة، في حين عارضته 3 دول فقط (رويترز)

لكن هنا تحديدا تبدأ العقدة الأوروبية. فالاتحاد الأوروبي قال إنه كان يمكن أن يدعم قرارا يسلط الضوء على “حجم الفظائع”، غير أن النص المطروح أثار، بحسب ممثلته جابرييلا ميخائيليدو، مخاوف “قانونية وواقعية”، من بينها تطبيق القانون الدولي بأثر رجعي. وبعبارة أخرى، تريد أوروبا الاعتراف بالمأساة، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى تأسيس التزامات قانونية أو سياسية قد تفتح عليها بابا يصعب إغلاقه.

هذا التحفظ لا يبدو قانونيا فقط، بل سياسيا أيضا. فالدعوة إلى تصنيف تجارة الرقيق بوصفها من أفظع الجرائم ضد الإنسانية ليست منفصلة عن مطلب آخر أكثر حساسية هو التعويض. والقرار الأممي يحث الدول على الدخول في حوار بشأن تقديم اعتذارات رسمية، وإعادة القطع الأثرية المسروقة، وتقديم تعويضات مالية، والعمل على ضمان عدم تكرار ما حدث. وهنا يصبح السؤال بالنسبة لعواصم أوروبية كثيرة: هل سيتحول الاعتراف الرمزي إلى التزام مادي؟ وهل يمكن أن تفضي هذه السابقة إلى مطالبات أوسع من أفريقيا والكاريبي ضد القوى الاستعمارية السابقة؟

الموقف الأميركي كان أكثر صراحة في هذا الاتجاه. فقد قال ممثل الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة دان نيجريا إن واشنطن تعترض على ما وصفه بـ”الاستغلال الأناني للأخطاء التاريخية كورقة ضغط” من أجل إعادة توزيع الموارد الحديثة على أشخاص ودول لا تربطهم، بحسب تعبيره، سوى صلة بعيدة بالضحايا التاريخيين. وهذا الكلام يكشف جوهر الاعتراض الغربي: الخشية من أن يتحول التاريخ من ملف أخلاقي إلى ملف حقوقي وسياسي ومالي مفتوح.

في المقابل، يبدو أن الدول الأفريقية والكاريبية تسعى إلى هذا التحول تحديدا. فهي لا تريد من العالم مجرد الإقرار بأن العبودية كانت فظيعة، بل تريد بناء مسار أممي جديد يقوم على العدالة التعويضية. ولهذا تسعى هذه الدول إلى إنشاء محكمة تعويضات خاصة تابعة للأمم المتحدة، وقال أبلاكوا إن القرار يمكن أن يمهد الطريق أمام “إطار للتعويضات”. كما قال في عبارة بدت أشبه بخلاصة سياسية وأخلاقية للمعركة كلها: “التاريخ لا يختفي عندما نتجاهله، والحقيقة لا تضعف عندما تتأخر، والجريمة لا تتلاشى، والعدالة لا تنتهي صلاحيتها بمرور الوقت”.

بهذا المعنى، لا تعارض أوروبا فقط توصيفا قانونيا أو عبارة شديدة اللهجة، بل تعارض ما قد يستتبعه هذا التوصيف من إعادة ترتيب لسردية الماضي ولتوازنات الحاضر أيضا. فحين يُعترف بأن تجارة الرقيق كانت جريمة كبرى لا تسقط بالتقادم، فإن السؤال التالي لن يكون عما حدث فقط، بل عمّن استفاد، ومن يجب أن يعتذر، ومن عليه أن يدفع. وهنا بالذات، يتوقف الرثاء الأوروبي، ويبدأ الشك والارتباك.

  • الأكـثر مشاهـدة
  • الـشائـع