استهداف السفن المدنية في هرمز.. قراءة من منظور حقوقي
سفينة الشحن التايلندية "مايوري ناري" تعرضت لهجوم واشتعلت فيها النيران في مضيق هرمز قبل أيام (أسوشييتد برس)
في مضيق هرمز، لا تبدو الهجمات على السفن التجارية المدنية مجرد تفصيل عسكري في سياق مواجهة إقليمية متصاعدة، بل قضية حقوقية بامتياز، لأنها تمس مباشرة حماية المدنيين، وحدود استهداف الأعيان المدنية وأرواح البحارة ومعيشة الناس في أنحاء العالم.
من هذا المنظور، تحذر هيومن رايتس ووتش من أن الهجمات الإيرانية على سفن مدنية لا تهدد الطواقم البحرية فقط، بل تفتح الباب أيضا أمام تداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة تمس حقوق البشر في الأمن المعيشي والغذاء والطاقة.
وتقول المنظمة في تقرير جديد إن القوات الإيرانية استهدفت عمدا سفينتين تجاريتين مدنيتين على الأقل في مضيق هرمز وحوله في 11 مارس/آذار 2026، قائلة إن هذا الاستهداف يشكل جريمة حرب.
الباحثة في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة، نيكو جعفرنيا، تؤكد أن استهداف السفن المدنية وأفراد طواقمها عمدا جريمة حرب، وأن جرائم الحرب لا تبرر مزيدا من جرائم الحرب، بمعنى أن استهداف السفن المدنية والبحارة انتهاك خطير للقانون الدولي، ولا يمكن تبريره بأنه ردّ على انتهاكات ارتكبها الطرف الآخر.
وتدعو جعفرنيا إيران والولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف الهجمات غير القانونية على المدنيين والأعيان المدنية، والكف عن تصويرها كأنها أهداف مشروعة.
وتستند المقاربة الحقوقية التي قدمتها المنظمة إلى قاعدة أساسية في القانون الدولي الإنساني: حظر الهجمات المباشرة ضد المدنيين والأعيان المدنية في جميع الأحوال، مع إلزام الأطراف المتحاربة باتخاذ كل الاحتياطات الممكنة لتجنب الإضرار بهم. وتؤكد المنظمة أن السفن المدنية لا تفقد صفتها المدنية لمجرد وجود علاقات تجارية محتملة لها مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، كما أن على الأطراف المتحاربة التحقق من أن أي هدف تعتزم مهاجمته هو هدف عسكري بالفعل. وفي غياب هذا التحقق، أو عند تنفيذ الهجوم عمدا أو بتهور ضد أهداف مدنية، قد تنشأ مسؤولية جنائية عن جرائم حرب.
وفي صلب التقرير، وثقت هيومن رايتس ووتش الهجومين المفترضين على السفينتين “سيف سي فيشنو” و”مايوري ناري” استنادا إلى تصريحات رسمية إيرانية، وصور ومقاطع فيديو منشورة على الإنترنت، وبيانات جمعتها المنظمة البحرية الدولية. كما قالت إنها تمكنت من التحقق من أن السفن التي أدرجتها المنظمة البحرية الدولية في هذه الوقائع هي سفن تجارية مدنية بطواقم مدنية. وبحسب المنظمة، لم تقدم السلطات الإيرانية، في تصريحاتها الخاصة بالسفينتين اللتين زعمت استهدافهما، دليلا على أنهما كانتا هدفين عسكريين مشروعين، أو أن ما كان على متنهما يندرج ضمن الأهداف العسكرية.
وتشير المعطيات التي أوردتها المنظمة إلى اتساع الخطر في الممر البحري. فبين 1 و17 مارس/آذار، أكدت المنظمة البحرية الدولية وقوع 17 حادثة تضررت فيها سفن تجارية جراء 16 هجوما مفترضا في مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان، مع سقوط قتلى ومفقودين وجرحى بين البحارة. كما نقلت هيومن رايتس ووتش عن الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية قوله إن نحو 20 ألف بحار ظلوا عالقين في الخليج تحت خطر متزايد وضغط نفسي كبير، وهو ما يكشف أن المسألة لم تعد محصورة في سلامة الملاحة فقط، بل في حماية المدنيين العاملين في هذا القطاع من الخوف والإصابة والموت والاحتجاز.
ارتدادات إنسانية
لكن الأثر الحقوقي للهجمات لا ينتهي عند حدود البحر. فمرور ربع تجارة النفط المنقولة بحرا في العالم عبر مضيق هرمز يجعل أي استهداف للسفن المدنية فيه شأنا عالميا، لا إقليميا فحسب. وقد ربطت هيومن رايتس ووتش بين هذه الهجمات وبين احتمال ارتفاع كبير في تكاليف الطاقة والغذاء والقطاعات الحيوية الأخرى، بما ينعكس على حقوق الناس، ولا سيما الفئات الأشد هشاشة اجتماعيا واقتصاديا.
ونقلت المنظمة عن جعفرنيا قولها إن هجمات القوات الإيرانية على السفن المدنية في المضيق ستلحق الضرر ببعض الأشخاص الأكثر حرمانا في أنحاء العالم، في إشارة إلى أن القذيفة التي تنفجر في البحر قد يرتد صداها لاحقا في موائد الفقراء وأسعار الوقود وسلاسل الإمداد.
وتخلص هيومن رايتس ووتش إلى أن المطلوب، من منظور حقوقي، لا يقتصر على وقف الهجمات فورا، بل يشمل أيضا إنقاذ أفراد الطاقم الثلاثة المتبقين على متن “مايوري ناري” والإفراج عن أي بحارة احتجزتهم إيران. فالقضية هنا ليست فقط نزاعا على المرور والسيطرة، بل امتحان جديد لمكانة المدنيين في زمن الحرب، ولمدى قدرة القانون الدولي على حماية الإنسان عندما تصبح السفن التجارية، ومعها سبل العيش، في مرمى النار.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
