احتجاجات إيران: تحقيق أممي وتهديد أمريكي
احتجاجات الإيرانيين على الأوضاع الاقتصادية وتدهور العملة المحلية (الفرنسية)
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، في 11 يناير/كانون الثاني 2026، عن صدمته من تقارير استخدام القوة المفرطة، مطالبًا بالتحلّي بضبط النفس وإعادة الاتصالات فورًا، ومشدّدًا على احترام حقوق حرية التعبير وتكوين الجمعيات والتجمع السلمي وفق القانون الدولي. من جانب آخر دعت بعثة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة، في 10 يناير/كانون الثاني 2026، السلطات الإيرانية إلى وقف القمع العنيف للاحتجاجات وإعادة خدمات الإنترنت والاتصالات فورًا، بعدما دخلت التظاهرات أسبوعها الثالث. وكانت السلطات قد قطعت الإنترنت وخدمات الهاتف المحمول في 8 يناير، ما قيّد بشدة الوصول إلى المعلومات مع تصاعد الاضطرابات.
وانطلقت الاحتجاجات في 28 ديسمبر/كانون الأول 2025 على خلفية انهيار العملة الوطنية، وامتدت إلى 46 مدينة على الأقل. وبحلول 7 يناير، أفيد بمقتل أكثر من 40 شخصًا، بينهم خمسة أطفال على الأقل، في محافظات منها قم وياسوج وكرمانشاه وإيلام ولورستان، كما أقرّ البرلمان الإيراني بسقوط قتلى في صفوف قوات الأمن.
وذكرت البعثة أنها راجعت أدلة مصوّرة تُظهر إطلاق قوات الأمن النار على المتظاهرين، مع إبداء قلق خاص إزاء انتهاكات مزعومة في مناطق الأقليات العرقية، بينها اقتحام مستشفى في إيلام. وأشارت إلى أن أساليب القمع تُحاكي نمطًا موثّقًا خلال احتجاجات عام 2022 المعروفة بشعار “المرأة، الحياة، الحرية” التي أعقبت وفاة جينا ماهسا أميني. من جهته، يُذكر أن ولاية بعثة تقصّي الحقائق، التي أُنشئت عام 2022، مُدّدت في أبريل/نيسان 2025 لعام إضافي.
الشرعية الدولية بين سيادة الدول ومسؤولية الحماية
وفي السياق ذاته، أعادت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن دراسة “خيارات عسكرية قوية” في إيران، على خلفية قمع الاحتجاجات وسقوط قتلى بين المتظاهرين، إلى الواجهة واحدًا من أكثر الأسئلة تعقيدًا في النظام الدولي المعاصر: هل يجيز القانون الدولي التدخل العسكري لحماية المدنيين داخل دولة ذات سيادة؟ وبينما يُطرح الخطاب الأميركي بلغة حماية حقوق الإنسان ومنع استخدام القوة المميتة ضد المدنيين، يثير هذا الطرح جدلًا قانونيًا وأخلاقيًا عميقًا حول حدود الشرعية الدولية، ومخاطر تسييس مبادئ إنسانية يفترض أن تكون عالمية.
حظر استخدام القوة: القاعدة التي لا استثناء عنها إلا نادرًا
ينطلق أي تحليل قانوني جاد لمسألة التدخل العسكري من ميثاق الأمم المتحدة، الذي وضع منذ عام 1945 قاعدة واضحة: حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي. هذا المبدأ، المنصوص عليه في المادة (2/4) من الميثاق، يُعد حجر الأساس في النظام الدولي الحديث، وأي خرق له لا يُعد أمرًا شكليًا، بل مساسًا مباشرًا بفكرة الأمن الجماعي نفسها.
ولا يجيز الميثاق استخدام القوة إلا في حالتين محددتين على سبيل الحصر: الدفاع الشرعي عن النفس في حال وقوع هجوم مسلح، أو تفويض صريح من مجلس الأمن عندما يقرر أن وضعًا ما يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. وفي حالة الاحتجاجات الداخلية وقمعها، يصعب – قانونيًا – تكييف الوضع على أنه “هجوم مسلح” يبرر الدفاع عن النفس، ما يجعل أي تدخل عسكري أحادي خارج تفويض مجلس الأمن محل طعن قانوني جدي، حتى وإن ارتدى عباءة حماية المدنيين.
مسؤولية الحماية : إطار وقائي لا تفويض مفتوح
يُستدعى في مثل هذه الحالات مفهوم مسؤولية الحماية، الذي أقرته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة عام 2005. غير أن هذا المفهوم غالبًا ما يُساء فهمه أو توسيعه سياسيًا. فـ مسؤولية الحماية لا تمنح الدول حق التدخل العسكري متى شاءت، بل تقوم على ثلاث ركائز واضحة: مسؤولية الدولة عن حماية سكانها، ودور المجتمع الدولي في المساعدة، ثم اتخاذ إجراءات جماعية عبر الأمم المتحدة إذا فشلت الدولة فشلًا واضحًا في حماية شعبها من جرائم جسيمة محددة، هي الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.
وبالتالي، فإن مجرد سقوط قتلى خلال احتجاجات، مهما كان مدانًا أخلاقيًا، لا يكفي قانونيًا لتفعيل الركيزة الثالثة لمسؤولية الحماية، ما لم يثبت وجود نمط واسع أو منهجي يرقى إلى الجرائم ضد الإنسانية وفق المعايير المعترف بها دوليًا. والأهم من ذلك أن مسؤولية الحماية، في صيغتها المعتمدة، تشدد على أن أي استخدام للقوة يجب أن يكون جماعيًا وبقرار من مجلس الأمن، لا إجراءً أحاديًا تتخذه دولة بعينها وفق تقديرها السياسي الخاص.
التدخل الإنساني الأحادي: شرعية أخلاقية بلا أساس قانوني؟
يدافع بعض أنصار التدخل عن فكرة “التدخل الإنساني” خارج مجلس الأمن، مستشهدين بسوابق تاريخية. غير أن هذه الفكرة، رغم حضورها في النقاش الأكاديمي والسياسي، لم تتحول إلى قاعدة قانونية مستقرة في القانون الدولي. فغالبية الدول، لا سيما في الجنوب العالمي، تنظر إلى هذا المفهوم بريبة شديدة، خشية أن يتحول إلى أداة لتغيير الأنظمة أو فرض الإرادات السياسية تحت غطاء إنساني.
ومن هنا، فإن أي ضربة عسكرية تُبرَّر بحماية المتظاهرين من دون تفويض أممي، تُعرّض النظام الدولي لخطر خطير: تقويض مبدأ حظر استخدام القوة باسم حقوق الإنسان نفسها، بما قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تتمثل في إضعاف الحماية القانونية للمدنيين بدل تعزيزها.
بين المنطق الحقوقي والمشروعية القانونية
تُظهر تصريحات ترامب بوضوح منطقًا حقوقيًا يركز على منع قتل المتظاهرين، وهو منطق مفهوم أخلاقيًا. لكن القانون الدولي يفرض تمييزًا ضروريًا بين الغاية الأخلاقية والوسيلة القانونية. فحماية حقوق الإنسان، وفق هذا المنظور، لا تبرر تلقائيًا خرق قواعد أساسية في النظام الدولي، وإلا تحولت الحقوق إلى أداة سياسية انتقائية.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا في ظل مخاوف أقر بها مسؤولون أميركيون أنفسهم من أن يؤدي أي تدخل عسكري إلى نتائج عكسية، مثل توحيد الشارع الإيراني خلف السلطة أو دفع البلاد إلى رد عسكري وتصعيد إقليمي، بما قد يزيد المخاطر على المدنيين بدل تقليصها. وهنا يُطرح تساؤل جوهري يتعلق بإمكانية أن يحقق التدخل المعلن باسم حماية الحقوق أثرًا إنسانيًا حقيقيًا، أم أنه سيفاقم الانتهاكات.
البدائل القانونية الأكثر انسجامًا مع الشرعية الدولية
إذا كان الهدف المعلن هو حماية المدنيين ومنع الإفلات من العقاب، فإن القانون الدولي يوفر مسارات أقل خطورة وأكثر شرعية من التدخل العسكري، منها: تعزيز التحقيقات الدولية المستقلة، وتفعيل آليات مجلس حقوق الإنسان، وفرض عقوبات موجّهة تستهدف المسؤولين عن الانتهاكات، إضافة إلى استخدام الولاية القضائية العالمية حيثما أمكن. هذه الأدوات، رغم بطئها النسبي، تحافظ على التوازن بين حماية الحقوق واحترام سيادة الدول، وتحد من مخاطر التسييس.
حماية الحقوق أم اختبار مصداقيتها؟
في المحصلة، تعكس الأزمة الإيرانية – كما صيغت في الخطاب الأميركي – التوتر البنيوي في النظام الدولي بين مبدأ سيادة الدول وواجب حماية المدنيين. غير أن الخطاب الحقوقي، مهما كان قويًا، لا يصنع وحده شرعية قانونية لاستخدام القوة. فمسؤولية الحماية ليست تفويضًا مفتوحًا، والتدخل العسكري الأحادي يظل استثناءً خطيرًا يهدد بإفراغ القانون الدولي من مضمونه.
إن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي لا يكمن في رفع شعار حماية حقوق الإنسان، بل في حمايتها دون تقويض النظام القانوني الذي يفترض أن يصونها. وبين سيادة الدول وكرامة الإنسان، تبقى الشرعية الدولية هي الميزان الدقيق الذي إن اختلّ، خسر الطرفان معًا.
- الأكـثر مشاهـدة
- الـشائـع
