Human Rights & Public Liberties

Human Rights & Public Liberties

القائمة البريدية

نقاش فكري عميق حول الدساتير والحريات الدينية في ندوة افتراضية للجزيرة 

تاريخ النشر: 14 أبريل, 2021

تباينت آراء ثلاثة من الأكاديميين العرب المرموقين تجاه مجموعة من القضايا المطروحة للنقاش في ندوة عن “الدستور والحريات الدينية بين هوية الدولة ومصادر تشريعاتها”، والتي نظمها مؤخرا مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان بالتعاون مع قناة الجزيرة مباشر، والتي ناقشت عددا من القضايا التي يعتبرها البعض شائكة في المجتمعات العربية والإسلامية.

شارك في الندوة من الجزائر الدكتور كمال جعلاب، أستاذ القانون الدستوري والمؤسسات الدستورية بجامعة الجلفة الجزائرية، ومن قطر الدكتور محمد مختار الشنقيطي، أستاذ الفكر السياسي بجامعة قطر، ومن الولايات المتحدة، الدكتور عبد الله علي إبراهيم أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلامي بجامعة ميسوري بالولايات المتحدة.

بحث المشاركون كيفية بناء الدستور في العديد من بلدان منطقة الشرق الأوسط باعتباره عقدا اجتماعيا بين الشعب من ناحية والسلطة السياسية من ناحية أخرى، ودلالات مفاهيم الديمقراطية والعلمانية والشورى في بناء نظم الحكم، ومدى مشروعية فرض الديمقراطية بمنظورها الغربي على شعوب المنطقة، وما هو شكل الديمقراطية الذي يلائم المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة، وكيف يمكن حماية حقوق وحريات الأقليات الأخرى في تلك المجتمعات.

كما أثيرت أسئلة أخرى خلال الندوة من بينها كيف يتم تحديد المصادر التي يتم من خلالها صياغة الدساتير، ومن له حق المشاركة في تحديد تلك المصادر، وهل هناك مبرر موضوعي للتصريح في الدستور بما يعرف بـ” القيم العليا للمجتمع” أو “هوية الدولة” وغيرها، وهل يوجد في عالمنا المعاصر دول خارج المنطقة تنص دساتيرها صراحة على أي مرجعيات دينية ؟

بدأ النقاش باشتباك بين المشاركين الثلاثة حول وضعية ” الدين” في الدستور، ففيما قال الدكتور جعلاب من الجزائر إن”دسترة ” الدين يعد مبدأ ديمقراطيا لأنه يمثل استجابة لـ”حقيقة اجتماعية” تحولت الى “قيمة دستورية”  بحيث يصبح الدستور ” بطاقة هوية ” للمجتمع، جادل الدكتور الشنقيطي بالقول إن النص على الهوية الإسلامية في الدساتير العربية لا يعدو كونه ” حق يراد به باطل”.

وأوضح إن لبنان هي الدولة العربية الوحيدة التي لا ينص دستورها على أن “الاسلام هو الدين الرسمي للدولة”، وأن النظم التي تحرص على إيراد نص في بنود الدستور بخصوص الدين الرسمي للدولة إما لمجرد رفع شعار أو لمحاولة تعويض أو اكتساب شرعية ما، لا يعدو كونه ( حق يراد به باطل )، وإذا تعاملنا مع الأمر وفق هذا الوصف، فإن الشنقيطي يرى أن نتمسك بالحق أولا ثم نوقف استخدامه كباطل ولا يجب أبدا التخلي عن الحق لأن آخرين استغلوه استغلالا سيئا.

وأوضح انه قام بدراسة دساتير 190 دولة من دول العالم واكتشف أن دولا في أوروبا مثل اليونان وأيسلندا والنرويج وبعض الدول الاسكندنافية الأخرى إضافة إلى بلدان آسيوية تنص على عبارات دينية واضحة في دساتيرها سواء بالإشارة بوضوح إلي هذا الدين أو عبر إشارات ضمنية تتضمن تأكيد مسؤولية الدولة عن هذا الدين ورعايتها لكنائسه أو معابده.

ودخل الدكتور عبد الله علي إبراهيم أستاذ التاريخ الإفريقي والإسلامي بجامعة ميزوري ( أمريكي من أصل سوداني)  ليصف البنود والعبارات والإشارات المتعلقة بالدين والتي يتم تضمينها في الدساتير بأنها بمثابة ” خرافات قانونية” تزخر بها العديد من الدساتير باعتبارها ميراثا تاريخيا، لكن فعاليتها في المجتمع تظل محدودة للغاية، مثل دور ملكة بريطانيا في رعاية الكنيسة الإنجيلية البريطانية.

وأشار إلى أن العملة الأمريكية ( الدولار ) مكتوب عليها عبارة دينية صرفة تقول:” نثق في الله “، معربا عن اعتقاده بأن تلك العبارة سواء كتبت على الدولار أو وردت في الدستور، فإنها لا تنطوي على أية دلالات بالنسبة لممارسات المجتمع والحياة المدنية التي تنظمها السلطات الأمريكية.

وأضاف:” إن الإشارة إلى ما ورد من عبارات تضمين الدين في دساتير النرويج واليونان وبعض بلدان اسكندنافيا وفي آسيا لا يمكن اعتبارها دليلا مفحما بقدر كون ورودها في سياق مناقشات هذه الندوة يمثل إشارة مفادها القول:” انظروا كيف يفعلون؟!”، مؤكدا أن تلك الإشارة فيها مطالبة ضمنية لبلادنا أن يفعلوا مثلما تفعل تلك الدول من تضمين بنود عن الدين في دساتيرها”.

وتساءل الدكتور إبراهيم : هل إذا جاءت الديمقراطية بأمر يتعارض مع الدين الإسلامي بناء على رأي الأكثرية في المجالس التشريعية مثلا، هل سيقبل المسلمون هذا الأمر المناقض لشريعتهم الدينية، موضحا أن مفاهيم الديمقراطية والعلمانية لم تتوطن في المجتمعات الإسلامية لذلك نجد أنفسنا وسط ما وصفه بـ” جائحة فكرية” في إطار حالة من الهوس السياسي أو المتسيس، حسبما قال.

ورد الدكتور الشنقيطي بالقول إن الجماعة أو الأغلبية هي التي تملك تفسير وتنزيل التشريع الإسلامي، وإذا اختارت الغالبية قانونا صريحا في مناقضته لأحكام الاسلام، فإن هناك 3 سيناريوهات أولاها ما أسماه “خيار يلتسين” بإرسال  الدبابات لقصف مقر البرلمان الذي أقر هذا التشريع، مؤكدا أنه لا يعلم أحدا من القوى الإسلامية الديمقراطية يفكر في ذلك “إذا استثنينا داعش ومن على شاكلتها من المجانين، حسبما قال.

وأوضح أن الخيار الثاني هو انتهاج المسار السياسي والدستوري بحيث يلجأ رئيس الدولة مثلا إلى سلطاته التي يخولها له الدستور ويقوم بحل البرلمان والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة، أو معارضة هذا  القانون عبر القضاء الدستوري وغيرها من آليات هذا المسار، أما السيناريو الثالث فهو العلاج عبر المسار الديمقراطي من خلال تشكيل أحزاب جديدة أو إعادة تشكيل واندماج الأحزاب القائمة للحصول على أغلبية تمكن من يرفضون هذا القانون من الحصول على أغلبية برلمانية تمكنهم من التصدي للقانون من خلال العلاج الديمقراطي.

وردا على سؤال عن كيفية تعزيز وحماية الحقوق والحريات الدينية والحد من مخاطر خطاب الكراهية سواء من دعاة العلمانية أو أنصار الأديان، قال الدكتور كمال جعلاب إن هناك طرقا متعددة على مسارات كثيرة من بينها المسارات الدستورية والاجتماعية والإعلامية التوعوية والثقافية وغيرها.

وأوضح أنه بحكم تخصصه في القانون الدستوري يمكنه القول إنه يتعين تعزيز دور القضاء كسلطة مستقلة نظرا لأن الصراع ينشأ في العادة بين “أغلبية” تحتكر التشريع و”أقلية” تسعى للحفاظ على حقوقها وحرياتها التي من المفترض أن الدستور يحميها ويصونها، مؤكدا أن التوفيق بين الجانبين يتعين أن يحقق معادلة صعبة تتمثل في منع الأغلبية من الاستبداد، ومنع الأقلية من التعسف.

واختتم الدكتور الشنقيطي بالإشادة بمستوى النقاش العميق بين المشاركين في الندوة من أصحاب تخصصات أكاديمية مرموقة، وقال إنه استفاد من مساهمات الزملاء المشاركين في تلك الندوة، فيما أعرب الدكتور عبد الله على إبراهيم عن اعتقاده بأنه لا يوجد تطابق حتمي بين العلمانية والديمقراطية، بل هما شيئان منفصلان وأن الدين في المجتمع ليس هو نفسه الدين في الدستور، حسبما قال.

( انتهى )