قصة إثيوبية اختارت الأيتام على زوجها

غوبانا قررت الموت بين الأيتام الذين تكفلهم (الجزيرة)

محمد غلام- أديس أبابا

بخطى وئيدة تدلف الإثيوبية أباباش غوبانا إلى التسعين ولمّا يفترْ عزمها أو تتوان عن خدمة الأيتام، بل إنها قررت الموت بينهم في جمعية باسمها في منطقة أباكوران شمال أديس أبابا.

بالكاد أجلستها معاونتها وبالكاد ابتسمت وأومأت بيدها، ورغم فقدانها الذاكرة، تصر الأرثوذكسية المتبتّلة غوبانا على إحكام حجابها قبل التصوير، لم يفلت منه إلا خصلات شعر بقيت، دون شعورها، تتسلل من تحت قبعة سوداء تعتمر فوقها ملاءة بيضاء.

يسرد “كاسا هون بكانا” وهو مسؤول العلاقات العامة في الجمعية قصة اهتمام غوبانا بالأيتام، ويقول إنها جاءت بالصدفة المحضة حينما ذهبت عام 1983 في رحلة دينية إلى منطقة “ولّو” شمالي البلاد للتحنث في معبد غيشانا مريام.

صادف ذلك الوقت أحد أسوأ أيام المجاعة الشهيرة في إثيوبيا والتي قضت على مئات الآلاف، وبالقرب من المعبد عثرت على طفلين مات أبواهما للتو بسبب الجوع فأُلهمت إلى أن العمل على إنقاذهما أولى من التعبد والتبتل.

عادت بهما أدراجها إلى بيتها لتجد مفاجأة غير سارة. زوجها يخيرها بينه وبين اليتيمين. كانت على مستوى التحدي، فقررت الانفصال عنه وترك البيت له بالكامل. أقامت في غرفة صغيرة كانا يخصصانها لتربية الدجاج، وبنت بها أسرّة طينية لها ولليتيمين.

جمعية غوبانا أشهر من نار على علم في إثيوبيا (الجزيرة)

ذاع صيت المرأة بسرعة في المنطقة، وأقبل الناس عليها، ففاضت غرفتها الصغيرة بعشرين يتيما ومشردا ومتخلى عنه لتجد نفسها في ورطة. غير أنها واصلت التحدي. باعت كل ما خبأته ليومها الأسود من حلي وجواهر.. أنفقت كل ذلك لأن أفواه بني آدم وبطونهم مهلكة للمال.

خرجت لبيع الفول السوداني وبعض المكسرات لتنفق من عائد ذلك على أطفالها الذين لم تلدهم والذين يزدادون يوما بعد يوم. توسعت “تجارتها” قليلا فأقنعت بعض أقاربها بالعمل معها.

استمر الحال على ذلك ست سنين قبل أن تنتشر قصتها في آفاق البلد وينهال عليها الخيّرون، مسلمون ومسيحيون، بالدعم ومنهم خريجو المركز نفسه ممن يمدونه الآن بالمال ويتطوعون للتدريس فيه.

وقف التبني
كان ملجأ الأيتام أحيانا يستضيف المئات، إذ يدفع ذويهم الفقر والرغبة أحيانا في أن تتبنى أبناءهم منظمات غربية وأفراد عاديون ربطوا علاقات مباشرة أو بالواسطة مع الملجأ.

لكنه الآن بعد حظر الحكومة الإثيوبية التبني الخارجي قبل أشهر، بدأ الوافدون إليه في التناقص خاصة مع التحسن الاقتصادي النسبي في البلاد، وحاليا يستضيف أربعين طفلا فقط.

وتكشف جولة سريعة على الإنترنت أن سفارات ومنظمات غربية ناشطة في التبني تعلن لزبائنها عن وقف العملية مؤقتا وتعتذر لهم عن وقف التسجيل لاحتضان الأطفال الإثيوبيين.

الجمعية تستضيف الآن أربعين طفلا (الجزيرة)

ويقول مدير إدارة العمل الخيري في الملجأ تسفاي نكلاها يامانوت إن الدعم الغربي بدأ في التناقص هذه الأيام ربما بسبب الأزمة الاقتصادية في الغرب، ويشير إلى أن مؤسسته بدأت في الاهتمام بالتدريب المهني لأمهات الأطفال المتخلى عنهم والمعرضات لذلك، ودعم قدراتهن الذاتية.

وترى مديرة رعاية الأطفال في المركز وينشات دامتو في قصة أباباش غوبانا مثالا يحتذى وأنموذجا للتفاني في خدمة الآخرين.