الماجري:” التوازن” بين ضرورات كورونا والالتزامات الحقوقية لمصلحة الجميع

أوصى مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان بضرورة التوازن بين ما وصفه بـ ” إكراهات التعامل مع فيروس كوفيد-19 ” التي تتخذها السلطات التنفيذية في البلدان المختلفة من ناحية، وبين “إلزامية احترام حقوق الإنسان والحريات العامة في ضوء القانون الدولي” من ناحية أخري، مؤكدا ان هذا التوازن سيكون في مصلحة الجميع.

وذكرت دراسة للمركز بعنوان ” إشكالية العلاقة بين إكراهات حالات الطوارئ-فيروس كوفيد 19- وإلزامية احترام حقوق الإنسان والحريات العامة في ضوء القانون الدولي” انه :” لا جدال في ضرورة اتخاذ إجراءات حكومية فعالة حيال هذا الفيروس، وحماية المجتمعات، وتوفير كل أسباب التخفيف من آثار المرض وتداعياته على الصحة العامة للمواطنين، غير أنّ التاريخ علّمنا أنّ حالات الطوارئ، خصوصا القصوى منها، عادة ما تمثّل فرصة مناسبة للسلطات التنفيذية للتملّص من واجباتها تجاه شعوبها، بل ونزوعها في الغالب، لتجاهل حقوق الإنسان والحريات العامة.”

وأفادت الدراسة التي أعدها الدكتور كريم الماجري، الباحث الأول بمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان، إن القانون الدولي يوفر إطاراً مناسبا، وملزما، لمساعدة الحكومات على التحرك بسرعة، مع تقديم الدعم المطلوب منها لحقوق الإنسان في استجابتها لأزمة الصحة العامة التي تسبب فيها تفشي وباء كوفيد-19.

 

واستعرض الماجري في دراسته الإشكالات المتعلقة بحقوق الإنسان في زمن كورونا، ومن بينها حماية حرية التعبير وضمان الوصول إلى المعلومات، ومجابهة التمييز وخطاب الكراهية وحماية سرية المصابين، وضرورة توافق تدابير الحجر الصحي والإغلاق مع قواعد القانون الدولي، وحظر السفر، وحماية الأشخاص المحتجزين، وحماية المرافق الخاصة ببعض الفئات مثل مراكز الإيقاف، والسجون، ومعتقلات الأسرى، ومراكز احتجاز المهاجرين وغيرها.

كما تتضمن تلك الإشكاليات التي ناقشها الماجري، وهو أيضا باحث متعاون مع مركز الجزيرة للدراسات، ضرورة ضمان حماية العاملين في القطاعات الصحية، وضرورة احترام الحق في التجمع وتكوين الجمعيات، وحماية الحق في التعليم، وغيرها من التحديات الأخرى المطروحة على ساحة البحث والدراسة بين المعنيين والمهتمين، وخبراء القانون الدولي والأكاديميين.

وناقشت الدراسة في كل نوع من تلك التحديات، إضافة الي نصوص الضمانات التي جاءت في القانون الدولي والتشريعات المرتبطة به لضمان التوازن بين الإجراءات الحكومية المتخذة، مع التطبيق على مجموعة من الحالات في البلدان المختلفة حول العالم.

وفيما يلي نص الدراسة بالكامل:

إشكالية العلاقة بين إكراهات حالات الطوارئ-فيروس كوفيد 19- وإلزامية احترام حقوق الإنسان والحريات العامة في ضوء القانون الدولي

د. كريم الماجري
مدخل
لا شك في أن الفيروس التاجي المستجد -كوفيد 19- يعدّ حالة نموذجية من حالات الطوارئ واسعة النطاق، ويشكل تهديدا وشيكا وكبيرا للصحة العامة، وهو يتمدّد جغرافيا ليشمل كل دول المعمورة، دون استثناء تقريبا. ومع تقدم الوقت، تشير بعض الدراسات إلى أرقام مفزعة في حالات الوفيات عالميا، وبلوغ أعداد المصابين بالفيروس إلى ملايين الأشخاص في العالم، مما ينذر بأزمة صحية غير معروفة المآلات. وما يزال العالم يتذكر انتشار أوبئة مماثلة في العقود السابقة أودت بحياة الكثيرين حول العالم.
فقد شهد القرن الحالي تفشّي فيروس “إيبولا” الذي نشأ في بعض دول غرب أفريقيا عام 2013، وسبقه وباء الكوليرا في هايتي عام 2010، ومع نهاية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين ظهر فيروس كورونا-كوفيد 19- في مدينة ووهان الصينية لينتشر منها إلى باقي دول العالم.
وقد كان القرن الماضي شهد ظهور الكثير من الأوبئة التي هددت حياة ملايين البشر. فوفقا لإحصاءات World atlas حصد مرض الإيدز (متلازمة نقص المناعة المكتسبة)، الذي كان أكثر الأوبئة فتكاً بالبشر في القرن العشرين، حيث سُجلت 30 مليون حالة وفاة بسببه أثناء العقد الأول من القرن الحالي. أما فيروس الأنفلونزا الإسبانية (1918)، فقد قضى على ما بين 3% إلى 5% من تعداد سكان العالم؛ ثم كان العالم على موعد مع انتشار فيروس الإنفلونزا الآسيوية ما بين عام 1956 و1958، وقد هاجم هذا النوع من الإنفلونزا بلدان العالم بأسره موديا بحياة حوالي 2.5 مليون شخصا في العالم؛ ثم عانت البشرية بعد ذلك من “الكوليرا” حيث توفي بسببها أكثر من 800 ألف شخص، وكان وباء الجدري بدوره قد أودى بحياة أكثر من 15 ألف شخص.

مقدّمة
في الثلاثين من شهر يناير/كانون الثاني 2020، أعلنت منظمة الصحة العالمية أن تفشي الفيروس التاجي-كوفيد 19- “يصنّف كحالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً، ثم “أعلنت المنظمة فيروس كورونا –كوفيد 19- جائحة عالمية في 11 آذار/مارس 2020، داعية دول العالم إلى ضرورة مواجهته ومحاصرة انتشاره. (1)
مباشرة بعد هذا الإعلان وتصنيف الفيروس جائحة عالميا سارعت حكومات الدول، عبر العالم، إلى اتخاذ إجراءات وتدابير مشدّدة بحجّة منع انتشار الوباء.

لا مراء أو جدال في أنه من الضروري اتخاذ إجراءات حكومية فعالة حيال هذا الفيروس، وحماية المجتمعات، وتوفير كل أسباب التخفيف من آثار المرض وتداعياته على الصحة العامة لمواطنيها. غير أنّ التاريخ علّمنا أنّ حالات الطوارئ، القصوى منها خاصة، عادة ما تمثّل فرصة مناسبة للسلطات التنفيذية للتملّص من واجباتها تجاه شعوبها، بل ونزوعها في الغالب، إلى تجاهل حقوق الإنسان والحريات العامة وتوظيف حالات الطوارئ تلك ذريعة للاعتداء على الحقوق والحريات العامة والخاصة. كما تتشبّث بعض الحكومات بالسلطات الواسعة الممنوحة لها وتصرّ على الاحتفاظ بها حتّى بعد انفراج الأزمات، وهذا ما شهدته مجتمعات جلّ الدول وهي تواجه حالات طوارئ تفشي الأوبئة أشرنا إليها في المدخل.

بتاريخ السادس عشر من شهر آذار/ مارس 2020 حثّ عدد من خبراء الأمم المتّحدة في مجال حقوق الإنسان، في بيان مشترك منشور على موقع المنظمة بنفس التاريخ، جميع حكومات الدول على تجنب المبالغة في التدابير الأمنية التي تتّخذها عند التصدّي لتفشي فيروس كورونا المستجدّ. وقد حذّر الخبراء في بيانهم الحكومات وذكّروها بأنه لا يجب أبدًا استغلال الصلاحيات الاستثنائية في حالات الطوارئ لقمع المعارضة، وجاء في البيان: “ندرك خطورة الأزمة الصحية الحالية ونقرّ بأنّ القانون الدولي يسمح باستخدام الصلاحيات الاستثنائية ردًّا على التهديدات الكبرى، ولكنّنا نذكّر الدول بأنّ أي إجراءات طارئة تتّخذها لمواجهة فيروس كورونا يجب أن تكون متناسبة وضرورية وغير تمييزية” (2) ومن جانبها حثّت مفوّضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان على وضع حقوق الإنسان في صلب إجراءات مواجهة تفشّي فيروس كورونا.

ويوفّر القانون الدولي إطاراً مناسبا، وملزما، لمساعدة الحكومات على التحرك بسرعة مع تقديم الدعم المطلوب منها لحقوق الإنسان في استجابتها لأزمة الصحة العامة التي تسبب فيها تفشي وباء كوفيد 19. فما هي المعايير الدولية واجبة التطبيق في هذا الإطار، وكيف يمكنها حماية حرية التعبير وضمان الوصول إلى المعلومات الهامة، وضرورة امتثال الحجر الصحي والإغلاق وحظر السفر للمعايير الدولية لحماية حقوق الإنسان الأساسية والحريات العامة المضمونة بحكم القوانين الدولية والمحلية؟

المعايير الدولية واجبة التطبيق لحماية الحقّ في الصحة
بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي صادقت عليه أغلب بلدان العالم- وهو معاهدة متعددة الأطراف اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966 ودخلت حيز النفاذ في الثالث من شهر يناير 1976-، فإنّ لكل شخص الحق في التمتّع بـ”أعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية”.
من جانبه، يُلزم العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كل الحكومات، دون استثناء، باتخاذ خطوات فعّالة من أجل “الوقاية من الأمراض الوبائية والمتوطنة والمهنية وغيرها من الأمراض وعلاجها ومكافحتها”. (3)
وقد جاء في بيانات لجنة الأمم المتحدة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، التي ترصد امتثال الدول للعهد، ما يلي:
“يرتبط الحق في الصحة ارتباطاً وثيقاً بإعمال حقوق الإنسان الأخرى ويتوقّف عليها، على النحو الوارد في الشرعة الدولية للحقوق، بما في ذلك الحق في الغذاء والسكن والعمل والتعليم والكرامة الإنسانية والحياة وعدم التمييز والمساواة…وحظر التعذيب والخصوصية، والحصول على المعلومات، وحرية تكوين الجمعيات والتجمع والتنقل. كما تتناول هذه الحقوق والحريات جميع العناصر المتكاملة للحق في الصحة”.
وينص الحق في الصحة على أن تكون المرافق والسلع والخدمات الصحية على الوجه التالي:
1- أن تكون متوفرة وبكميات كافية،
2- أن تكون في متناول الجميع دون تمييز، وفي متناول الجميع، حتى الفئات المهمشة؛
3- أن تكون مقبولة، بمعنى احترام الأخلاق الطبية وأن تكون مناسبة ثقافيا، ومناسبة علميا وطبيا وذات نوعية جيدة.

أما ما يُعرف بمبادئ سيراكوسا، وهي جملة المبادئ التي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة عام 1984. (4) فنجدها تنصّ تحديدا على أن القيود ينبغي أن تكون في حدودها الدنيا، ويجب أن تكون:
– قانونية، أي أن ينصّ عليها قانون ساري المفعول، وأن يتمّ تنفيذها وفقا للقواعد والإجراءات القانونية القائمة؛
– موجهة لتحقيق هدف مشروع ضمن المصلحة العامة؛
– ضرورية في مجتمع ديمقراطي، وأن تكون الغاية منها تحقيق الهدف الذي من أجله تم اللّجوء إليها؛
– أقل تدخلاً وتقييداً، من بين ما هو متاح من القيود، لبلوغ الهدف؛
– مستندة إلى أدلة علمية، وغير تعسفية أو تمييزية عند التطبيق؛
– محدودة المدّة، وتحترم الكرامة الإنسانية، وخاضعة للمراجعة.
والآن سنحاول تنزيل المبادئ القانونية والتوجيهات الإرشادية، المشار إليها أعلاه، على حالة الطوارئ التي تسبب فيها فيروس كورونا المستجدّ-كوفيد 19- ونحدّد التزامات كل طرف، من منظور قانوني، مع التركيز على واجبات حكومات دول العالم.

من جانبها، أوردت اللجنة المعنية بحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في جملة تعليقاتها العامة حول حالات الطوارئ وحرية التنقل، توجيهات واجبة الاتباع بشأن استجابات الحكومة التي تقيّد حقوق الإنسان من أجل أسباب الصحة العامة أو الطوارئ الوطنية.
وجاء في تلك التوجيهات أنّ ” أيّ تدابير يتمّ اتخاذها لحماية السكان، ويكون من شأنها الحدّ من حقوق الناس وحرياتهم، يجب أن تكون قانونية وضرورية ومتناسبة. كما يجب أن تكون حالات الطوارئ محدودة المدة زمنيا، وينبغي على أي تقليص للحقوق الأخذ بعين الاعتبار الأثر غير المتناسب على فئات سكانية محددة أو فئات مهمشة”. (5)

وفي 16 مارس/آذار 2020، قال عدد من خبراء حقوق الإنسان في الأمم المتحدة إن “إعلانات الطوارئ المستندة إلى تفشي فيروس كورونا المستجدّ –كوفيد 19- لا ينبغي استخدامها كأساس لاستهداف مجموعات أو أقليات أو أفراد بعينهم. لا ينبغي أن تُتّخذ غطاءً لإنفاذ تدابير قمعية تحت ستار حماية الصحة… ولا ينبغي أن تستخدم لمجرد قمع المعارضة”. (6)
وفي مذكرة أخرى لخبراء أمميين حول لجوء الحكومات إلى فرض إجراءات استثنائية، حذروا من أنه: “عند استخدام صلاحيات استثنائية، فإن واجب الحكومات يحتّم عليها الإعلان عن تلك الإجراءات الاستثنائية صراحة، وإبلاغ هيئات المعاهدات ذات الصلة حين تؤدّي تلك الإجراءات الاستثنائية إلى تقويض الحقوق الأساسية بما في ذلك الحركة والحياة الأسرية والتجمع. وبذلك تمسي تلك الإجراءات محدودة إلى أقصى الدرجات”.
وتابع الخبراء في مذكرتهم: “لا يجب أبدًا استخدام حالة الطوارئ المعلنة بسبب تفشي فيروس كورونا كعذر لاستهداف مجموعات أو أقليات أو أفراد معينين. ولا يجب أبدًا أن تشكّل غطاء لعمل قمعي بحجّة حماية الصحة، أو أن تُستخدم لعرقلة عمل المدافعين عن حقوق الإنسان. كما يجب أن تُعتَمَد القيود المفروضة للتصدّي للفيروس على أساس أهداف الصحة العامة المشروعة، لا أن تُستَخدَم بكلّ بساطة لقمع المعارضة”.

الإشكالات المتعلقة بحقوق الإنسان في زمن كورونا

– حماية حرية التعبير وضمان الوصول إلى المعلومات الهامة
بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان، يقع على عاتق الحكومات الالتزام بحماية الحق في حرية التعبير، بما في ذلك الحق في التماس وتلقّي ونقل المعلومات بجميع أنواعها. أما القيود، المشار إليها أعلاه، المسموح بها للحدّ-استثنائيا- من حرية التعبير لأسباب تتعلق بالصحة العامة، فيجب ألاّ تعرّض هذا الحق للخطر، بأيّ حال من الأحوال. (7)

ووفقا لقواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، واجبة التطبيق، فإن الحكومات مسئولة، مسئولية كاملة، عن توفير المعلومات اللازمة لحماية وتعزيز الحقوق، بما في ذلك الحق في الصحة. وتعتبر لجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وجوب التزام الحكومات “التزاماً أساسياً” بتوفير “التوعية والتثقيف المتكامل، وتوفير الحصول على المعلومات المتعلقة بالمشاكل الصحية الرئيسية في المجتمعات المحلية، بما في ذلك أساليب الوقاية من الأمراض ومكافحتها”. وينبغي أيضا على الحكومات أن تكفل الاستجابة المطلوبة، وبالطريقة الصحيحة، لتداعيات وآثار فيروس كوفيد 19، وأن تُتيح الوصول إلى المعلومات الدقيقة والحديثة عن الفيروس، والحصول على الخدمات، والحصول على معلومات دقيقة وفورية عن مواعيد انقطاع الخدمات العامة، ونشر كل المعلومات حول مختلف الجوانب الأخرى المتعلقة بالاستجابة لتفشّي الفيروس وجعلها متاحة للجميع وبيسر.
لكنّ، وبالنظر في واقع الممارسات اليومية، خلال فترة تفشي فيروس كورونا-كوفيد 19- فإننا نجد أنّ حكومات عدد من البلدان فشلت في دعم الحق في حرية التعبير، بل ولجأت أيضا إلى اتخاذ إجراءات ضد الصحفيين والعاملين في مجال الرعاية الصحية. وفي نهاية المطاف، فإنّ تلك الإجراءات الاستثنائية قد حدّت من التواصل الفعّال بشأن ظهور المرض وقوّضت الثقة في الإجراءات الحكومية.

ولأن المجال لا يسمح بالإطالة، فإننا نكتفي فيما يلي بعرض بعض الأمثلة عن أبرز الدول التي لم تلتزم حكوماتها بالمبادئ القانونية المعلنة في حزمة مبادئ سيراكوسا، ولا بالبيانات والإرشادات والتحذيرات الصادرة عن الخبراء الأمميين المشار إليها أعلاه:

الصين: حجبت حكومة بيجين عن المواطنين والمقيمين في البلاد، في البداية، المعلومات الأساسية عن فيروس كورونا المستجدّ-كوفيد 19- وأخفت عدد حالات العدوى، ولم تبلّغ عنها بشكل وافٍ. كما قللت أيضا من خطورة العدوى ورفضت احتمال انتقال العدوى بين البشر. ولجأت الحكومة أيضا إلى اعتقال كل من تداول أخبارا عن الوباء عبر وسائل التواصل الاجتماعي ومستخدمي الإنترنت تحت ذريعة “ترويج الشائعات”، وفرضت رقابة على المناقشات في غرف “الدردشة” الافتراضية-على النت- حول الوباء، ومنعت بثّ أيّ تقارير في وسائل الإعلام.

إيران: وجدت السلطات الإيرانية صعوبات جمّة في إقناع وطمأنة شعبها بأن القرارات التي اتخذتها لمواجهة انتشار فيروس COVID-19 كانت في مصلحة الأمة الإيرانية. وقد أدّى ارتفاع عدد الإصابات بالفيروس بين المواطنين، والتي طالت أيضا عددا كبيرا من المسئولين الإيرانيين، بالإضافة إلى عدم انسجام الأرقام المعلن عنها من قبل المسئولين وبين ما تم الإعلان عنه في بعض وسائل الإعلام المحلية، إلى زيادة منسوب مخاوف الشعب من أن تكون البيانات الصادرة عن الحكومة، بشأن مدى تفشّي الفيروس، إما أنها أُخفيت بشكل متعمد، أو أن تكون قد جُمعت وُحلّلت بشكل سيئ.

تايلاند: واجه المبلّغون عن المخالفات في قطاع الصحة العامة والصحفيون والمدوّنون دعاوى قضائية ضدّهم، وتهديدات وترهيب من السلطات بعد أن انتقدوا ردود الحكومة على تفشي المرض، وأثاروا مخاوف بشأن احتمال تستر السلطات التايلاندية عليه. ووردت أيضا شكاوى عديدة عن تعرّض بعض الأطباء والممرضين والعاملين في المجال الصحي، للتهديد باتخاذ إجراءات تأديبية ضدّهم – بما في ذلك إنهاء عقود العمل وإلغاء تراخيصهم – بسبب تحدثهم علناً عن النقص الحاد في الإمدادات الأساسية في المستشفيات في جميع أنحاء البلاد.

في المقابل، كانت هناك حكومات بلدان أخرى، قليلة، تعاملت بشفافية مع مواطنيها، على عكس الأمثلة المذكورة أعلاه، وأعطت الأولوية للتواصل الشفاف والمفتوح مع شعوبها والإبلاغ الموضوعي عن عدد الحالات المصابة بالفيروس، ومن بين تلك البلدان:

تايوان: اتخذت حكومة تايوان خطوات سريعة لمكافحة الفيروس، بما في ذلك إتاحة معلومات موثوقة وفورية وعلى نطاق واسع للمواطنين. كما ساعدت الإحاطات الصحفية اليومية، التي قدمها مسئولو الصحة التايوانيين وما صاحبها من إعلانات توعوية وإرشادية في التصدي للمعلومات المضللة وساعدت على تهدئة الذعر، واستعادة ثقة الجمهور، وتشجيع عموم أبناء الشعب على تقديم يد العون خلال الأزمة.

سنغافورة: نشرت حكومة سنغافورة إحصاءات مفصلة عن عدد ومعدل الإصابات والتعافي منها، وهي تقوم بتحديثها بانتظام.

كوريا الجنوبية: نشرت الحكومة الكورية بيانات صحية، وقدّم مسؤولو الصحة إحاطات إعلامية يومية مما أسهم في إرساء ثقة المواطنين وتعزيز يقظتهم.

– ضرورة مجابهة التمييز وخطاب الكراهية وحماية سرية المصابين بفيروس كوفيد 19

منذ تفشي الفيروس التاجي المستجدّ، وثقت تقارير إخبارية قادمة من عدد من البلدان التي تفشّى فيها المرض، مثل بلدان أوروبا وأمريكا وبعض البلدان العربية، وجود منسوب عالٍ من التحيز والعنصرية وكره الأجانب، والتمييز ضد السكان المنحدرين من أصول آسيوية. وتشمل تلك الحوادث، من بين أمور أخرى، الاعتداءات الجسدية، والتنمر بين طلبة المدارس، والتهديدات والتمييز في المدارس أو في أماكن العمل، واستخدام لغة مهينة تجاه الأشخاص المنحدرين من أصول أجنبية وآسيوية، على وجه الخصوص. كما تنضح التقارير الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي بخطابات الكراهية والتمييز، وذلك منتشر في عدد كبير من الدول حول العالم.

ومن نافلة القول إنّ القانون الدولي، والمواثيق الدولية المعمول بها عالميا في هذا الصدد، تجرّم استخدام العنف والتمييز وبث خطاب الكراهية على أساس الدين أو العرق أو اللون…ويقع على عاتق الحكومات تفعيل مضامين المعاهدات والمواثيق الدولية ذات الصلة، والسهر على تطبيق قواعد القانون الدولي في تصدّيها لهذه المظاهر التي ازدادت انتشارا في زمن تفشي فيروس كورونا المستجدّ. (10)

ضرورة توافق تدابير الحجر الصحي والإغلاق مع قواعد القانون الدولي
ينصّ القانون الدولي لحقوق الإنسان، لا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ضرورة أن تكون القيود المفروضة على الحقوق، لأسباب تتعلق بالصحة العامة أو حالة الطوارئ الوطنية، قانونية وضرورية ومتناسبة.
وبالتالي فإن فرض أيّ قيود على الحريات العامة والشخصية، مثل الحجر الصحي الإلزامي أو عزل الأشخاص الذين يعانون من أعراض فيروس كورونا-كوفيد 19- يجب أن تكون وفقاً للقانون، ويجب أن يكون فرضها منوطا بالضرورة القصوى التي يتطلبها تحقيق هدف مشروع. كما يجب أن يستند قرار فرض تلك الإجراءات المقيّدة للحريات إلى أدلة علمية، ومتناسبا مع تحقيق الهدف المشروع المُعلن، وألاّ يكون تعسفيا ولا تمييزيا عند التطبيق، ويجب أن يكون لمدة محدودة، وأن يخضع لإعادة النظر في جدواه بشكل دوري.
لكن على مستوى التطبيق، فإن إجراءات فرض الحجر الصحي، واسع النطاق، وإغلاق المرافق العامة لفترات غير محددة، نادراً ما تفي بالمعايير القانونية آنفة الذكر في الفقرة السابقة، وكثيراً ما تُفرض تدابير الحجر الصحي والعزل الاجتماعي وإغلاق المرافق العامة بشكل حادّ، بل وربّما تعسفيّ في بعض الأحيان، وعادة ما تكون دون ضمانات لحماية الخاضعين للحجر الصحي ــ وخاصة الأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
ونظراً لصعوبة فرض هذه القوانين-المتعلّقة بالحجر الصحي الإلزامي، والعزل الاجتماعي الإلزامي والإغلاقات- وإنفاذها بصورة موحّدة بحيث يلتزم بها الجميع، فإنّ سلطات إنفاذ القانون غالباً ما تتّبع طرقا تعسفية أو تمييزية عند التطبيق. لذلك وجب على الحكومات، وفقا لقواعد القانون الدولي، متابعة عمليات التنفيذ والعمل على الحدّ من التجاوزات واحترام حقوق الإنسان بشكل كامل.
كما يُطلب أيضا من منظمات المجتمع المدني القيام بعمل حاسم لدعم الجهود الرامية إلى وقف انتشار الفيروس وضمان حصول المصابين به، أو أولئك الذين يعيشون في عزلة أو تحت الحجر الصحي، على الحماية والرعاية والخدمات الاجتماعية اللازمة. وينبغي على الحكومات حماية ودعم منظمات المجتمع المدني التي تقوم بهذا العمل، وكذلك المنظمات التي تقدم تقارير عن آثار تفشي كوفيد 19.

حظر السفر
حرية التنقل محميّة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. ومن حيث المبدأ فإن لكل شخص الحق في مغادرة أيّ بلد ودخوله إلى بلد جنسيته، وله الحق، إذا ما دخل أي بلد بصورة قانونية، في التنقل بحرية في جميع أراضي ذلك البلد. (8)
ومن حيث المبدأ أيضا، لا يمكن فرض قيود على هذه الحقوق إلا عندما تكون تلك القيود والمحدّدات قانونية، وتم اتخاذها لغرض مشروع، وعندما تكون متناسبة، بما في ذلك عند النظر في آثارها المحتملة على الأشخاص. وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ التدابير المتخذة لحظر السفر وفرض قيود على حرية التنقل قد لا تكون تمييزية بالضرورة، وبالتالي فلا يترتب عنها اتهام الحكومات التي لجأت إلى تلك التدابير بحرمان الناس من الحق في طلب اللجوء أو انتهاكها الحظر المطلق المفروض على إعادة طالبي اللجوء إلى حيث يواجهون الاضطهاد أو التعذيب. ونذكّر، في هذا السياق أيضا، بأنّ لحكومات الدول سلطات واسعة، بموجب القانون الدولي، تمنحها حقّ حظر الزوار والمهاجرين القادمين إلى بلدانها من بلدان أخرى.
ومع ذلك فإنّ عددا كبيرا من الدراسات والإحصاءات أظهر أنّ فعالية حظر السفر، سواء أكان داخل الدولة أم بين الدول، محدودة في منع انتقال العدوى.

حماية الأشخاص المحتجزين
يكون خطر فيروس -كوفيد 19-، مثل غيره من الأمراض المعدية، أكبر على الأشخاص الذين يعيشون في مكان مغلق يحتّم عليهم البقاء لمدد طويلة بالقرب من بعضهم البعض. ويزداد تأثير الفيروس أكثر على المحتجزين من كبار السن ومن يعانون من أمراض مزمنة كأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة وارتفاع ضغط الدم… (ووفقا للإحصائيات المتاحة فإنّ النسبة الأعلى من المتوفين بسبب كورونا المستجد، في مختلف البلدان، هم ممّن تجاوزوا سنّ الستين).

حماية المرافق الخاصة ببعض الفئات
أما الأشخاص الموجودين في أماكن الاحتجاز مثل مراكز الإيقاف، والسجون، ومعتقلات الأسرى، ومراكز احتجاز المهاجرين، وكذلك المؤسسات السكنية للأشخاص ذوي الإعاقة ومرافق التمريض لكبار السن، فإنّ حدة خطر تفشي الفيروس بينهم وتأثيره فيهم تشتد أكثر، خاصة في حالات عدم توفر الرعاية الصحية المناسبة.
ويفرض القانون الدولي على الدول ضرورة الالتزام بضمان تقديم الرعاية الطبية للمسجونين والمحتجزين لديها بما يعادل على الأقل الرعاية المتاحة لعامة المواطنين. (9)

كما تفرض قواعد القانون الدولي على حكومات الدول عدم اللجوء إلى حرمان، أو الحدّ، من تقديم الرعاية الصحية المناسبة للمحتجزين لديها، بمن فيهم طالبي اللجوء أو المهاجرين غير الحاملين للوثائق اللازمة، ويجب أن يحظوا بالرعاية الصحية والوقائية، على قدم المساواة مع باقي المواطنين في الدولة.
هناك أيضا فئات أخرى هشّة معرّضة لمخاطر العدوى بفيروس كورونا، إذ قد يتعرض طالبو اللجوء، واللاجئون الذين يعيشون في المخيمات، والأشخاص الذين يعانون من التشرد، لخطر متزايد من تفشي الفيروس بسبب عدم حصولهم على المياه النظيفة ومرافق النظافة الصحية الكافية.
وتوصي منظمة الصحة العالمية، وفقا لقواعد القانون الدولي، بأن تحترم مرافق التمريض، وغيرها من الأماكن التي تضم أعدادا كبيرة من كبار السن، قواعد القانون وتطبيق روحه، بحيث يعمل القائمون على تلك المرافق العمومية جاهدين على إيجاد توازن بين السياسات التي تتّبعها تلك المرافق، بهدف حماية النزلاء فيها من الزوّار –سواء أكانوا من أهالي المقيمين أم من الزوّار الآخرين-، وحاجة كبار السنّ إلى الأسرة والتواصل مع الناس، وبالتالي السماح، في نطاق محدود وبعد اتخاذ كافة إجراءات السلامة، للزوار بزيارة أهلهم وذويهم.

ضمان حماية العاملين في القطاعات الصحية
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كجزء من الحق في الصحة، على أنّه يقع على عاتق الحكومات تهيئة الظروف التي “تضمن للجميع الحصول على خدمات طبية ورعاية صحية في حالة المرض”.
وعلى الحكومات الالتزام بالتقليل، إلى الحد الأدنى، من خطر الحوادث والأمراض المهنية، بما في ذلك عن طريق ضمان حصول العمال على معلومات صحية موثوقة، وملابس ومعدات واقية كافية. وهذا يعني تزويد العاملين الصحيين وغيرهم من المشاركين في مكافحة الفيروس بالتدريب المناسب في مجال مكافحة العدوى، ومدّهم بمعدات الحماية المناسبة.
وتتطلب مكافحة انتشار فيروس كورونا المستجدّ-كوفيد 19- ضرورة أن يتوفّر في المرافق الصحية ما يكفي من المياه النظيفة، وأنظمة الصرف الصحي، وإدارة نفايات الرعاية الصحية. وكانت منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) قد كشفتا، في تقرير صادر عنهما في العام 2019، عن أن “896 مليون شخص يستخدمون مرافق رعاية صحية لا توجد فيها خدمات مياه، و1.5 مليار شخص يستخدمون مرافق بدون خدمات صرف صحي”.
أما انتشار العدوى بين الناس داخل المستشفيات فتعود، في الغالب، إلى عدّة أسباب؛ منها سوء إدارة نظام الرعاية الصحية العامة، أو نقص التمويل، وصعوبة الحصول على مواد أساسية مثل أقنعة المطهر وأجهزة التنفس- وهي أمور حاسمة للحماية من الفيروسات-، أو نقص الكوادر الطبية والإدارية في البلاد، وقلّة الخبرة في التعامل مع تفشي مرض كوفيد 19.

ضرورة احترام الحق في التجمع / أو حرية التجمع وحرية تكوين جمعيات
تكفل حرية التجمع للناس أن يلتقي الناس ويجتمعون، علناً أوسراً على حد سواء. ويمكن أن توفّر التجمعات منابر للدعوة إلى تغيير أوضاعهم ولزيادة الوعي بالقضايا التي تهمهم، سواء أكانت قضايا تتعلق بحقوق الإنسان أم بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية، أو أي قضايا أخرى.
ويضمن القانون الدولي، والمعاهدات والمواثيق الدولية والإقليمية، ذات الصلة الحق في التجمّع، وقد حدّدت القوانين الدولية والإقليمية معايير التمتع بالحق في التجمع، ونسوق هنا أمثلة عن أبرز المواثيق والإعلانات الدولية والإقليمية في ضمان الحق في التجمع: الفصل 20 في مادته الأولى، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والفصلان 21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والفصل 8 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية…أما على المستوى الإقليمي، فنشير إلى المادتين 10 و11 من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، والمادتان 15 و16 من الميثاق الأمريكي لحقوق الإنسان، والفصل 11 من الميثاق الأوروبي لحقوق الإنسان… (11)
إلا أنّ حالة الطوارئ القائمة حاليا، في جل بلدان العالم، حملت عددا من حكومات دول أوروبا الغربية ومن الدول العربية والآسيوية والأمريكية الشمالية والجنوبية على تجميد، أو وقف تمتّع الناس بهذا الحق بشكل مؤقّت، أو حتى فرض منع التجول الكامل أو الجزئي، بسبب مكافحتها لوقف تفشي وباء كورونا المستجدّ. ومع تفهّم هذا الإجراء، من قبل الحكومات بحكم حالة الطوارئ الواسعة التي تسبب فيها انتشار فيروس كورونا-كوفيد 19- وما يمثله من خطر عام داهم وأكيد على المجتمعات البشرية، إلا أن تطبيق تدابير تمنع تجمّع الأشخاص في المرافق العامة، والأسواق، والمساجد، ودور العبادة الأخرى…ولا ينبغي أن يكون بشكل دائم، ولا أن يطبّق بشكل تعسّفي.
وقد اتخذ عدد من البلدان العربية أيضا تدابير تمنع تجمع الناس:

الأردن: في 20 مارس/آذار وسبب وباء الفيروس التاجي أعلنت الحكومة الأردنية مرسوم “حالة الطوارئ”، وذلك بموجب المادة 10 من قانون العقوبات والفصل 124 من الدستور الأردني، كما فعلت الحكومة أحكام الطوارئ في قانون الدفاع رقم 13 لسنة 1992. ووفقا ً للمرسوم وقانون الدفاع، فإن رئيس الوزراء مكلف بسن تدابير للاستجابة لحالة الطوارئ. وله سلطة تعليق بعض الحقوق الفردية، بما في ذلك حرية التنقل والتعبير. وجاءت هذه الإجراءات الموجبة لمنع التجمع والتجول، بعد خروج أعداد من المحتجين المناهضين لعدد من قرارات الحكومة الأردنية بشأن ارتفاع الأسعار، واتفاق الحكومة على توريد الغاز الإسرائيلي…

الجزائر: في 17 مارس/آذار 2020 أصدر الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، أمرا رئاسيا بحظر جميع الاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات وغيرها من التجمعات الجماهيرية بسبب وباء الفيروس التاجي. كما أمر بغلق جميع الأماكن العامة المشتبه في كونها مركزاً للفيروس. لكن ثمة مخاوف حقيقية من أن يكون هذا المنع المؤقت حائلا دون تعبير فئات من المجتمع عن آرائهم السياسية، خاصة وأنّ إجراءات فرض منع التجمع ترافقت مع محاولات سابقة للحكومة لإخماد احتجاجات الشارع الجزائري.
تونس والسعودية: أعلنت الحكومتان التونسية والسعودية فرض منع التجول في كامل تراب الجمهورية التونسية، وعلى عدة مدن في المملكة العربية السعودية. وثمّة مخاوف حقيقية من أن تكون هذه القرارات قد اتُّخذت للحدّ من تعبير الناس، في البلدين، عن رفضهم لبعض سياسات الحكومتين التونسية والسعودية.

قطر: أصدر أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ، بتاريخ 26 مارس/آذار 2020،تعديلات على القانون رقم 17 لسنة 1990 بشأن الحماية من الأمراض المعدية لتعزيز مكافحة فيروس كوفيد 19.
وتقتضي التعديلات من بعض الأفراد، بمن فيهم أرباب الأسر ومديرو المؤسسات والشركات، إبلاغ السلطات، إذا ما اشتبهوا في أن شخصاً ما مصاب بمرض معدٍ. كما تنص التعديلات على تطبيق حكم بالسجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات وغرامة مالية قدرها 200 ألف ريال قطري في حالة عدم الامتثال لهذا الشرط أو عدم الامتثال لقواعد الحجر الصحي.
تبدو هذه التدابير، التي تطلبتها مواجهة حالة الطوارئ القائمة بسبب تفشي فيروس كورونا، شديدة الصرامة، وينبغي أن يتم التراجع عنها فور انحسار الوباء حتى لا تؤثّر على العلاقات الاجتماعية والأسرية.
السودان: أعلنت الحكومة السودانية بتاريخ 24 مارس/آذار أمرا يحظر التجول والتجمعات العامة. وقد فرضت الحكومة حظر التجول ليلاً في جميع أنحاء البلاد من الساعة 10 مساءً إلى الساعة 6 صباحاً. وجاء حظر التجول في أعقاب حظر التجمعات الجماهيرية الذي فرض في جميع أنحاء البلاد في 20 مارس/آذار. ويرى الكثير من المراقبين أن هذه الإجراءات المشدّدة يجب ألا تستمر طويلا، ولا أن تمنع حق الجمهور في التعبير عن آرائهم السياسية في عمل الحكومة.

حماية الحق في التعليم
أدّى إغلاق المدارس في العديد من البلدان، منذ بدء تفشي فيروس كورونا، إلى تعطيل تعلّم وتعليم مئات الملايين من التلاميذ والطلبة حول العالم. ولضمان استجابة أنظمة التعليم بشكل كافٍ لحاجة التلاميذ والطلبة إلى مواصلة مسيرتهم العلمية، أوصت اليونسكو الدول بأن “تعتمد مجموعة متنوعة من الحلول ذات التكنولوجيا الفائقة، والتكنولوجيا المنخفضة وغير التقنية لضمان استمرارية العملية التعليمية”. وقد بادرت العديد من البلدان، إلى استخدام منصات التعلم عبر الإنترنت لاستكمال ساعات الدراسة العادية في الفصول الدراسية وتمكين الطلبة من إنجاز واجباتهم المنزلية، والتمارين الصفية والبحوث. كما عملت تلك الدول أيضا على تمكين الطلاب من الوصول إلى المعدات التكنولوجية في المنزل، وقامت بعض وزارات التعليم في العالم بتوزيع الأجهزة والمعدات التكنلوجية اللازمة على التلاميذ والطلبة المنحدرين من عائلات ضعيفة، أو معدومة الدخل.
ومع ذلك، فليس لدى جميع البلدان، أو المجتمعات والأسر، أو الفئات الاجتماعية محدودة الدخل إمكانية كافية للوصول إلى الإنترنت. كما أن العديد من الأطفال يعيشون في أماكن تُحجب فيها خدمة الإنترنت بأوامر حكومية متكررة، وهو ما من شأنه إعاقة الحق في التعلم، الذي أقرته المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. (12)

د. كريم الماجري: باحث أول في مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان