الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية

“قم ودّع اليوم الأخير”..

تاريخ النشر: 19 أبريل, 2020
الدكتور كريم الماجري، الباحث الأول بمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الانسان-(الجزيرة)

يوميات كورونا..

يكتبها الدكتور: كريم الماجري

الباحث الأول بمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الانسان

هل كورونا حرب حقيقية..أم حرب على الشعوب تتخفى خلف الفيروس؟ كلنا يذكر بحسرة تلك الأيام الخوالي التي كنا نجتمع فيها على “جلسة مشاوي” مع الأصدقاء والعائلة، أو رحلة بحرية على ظهر قارب، أو جلسة شاي عادية في أحد صالونات الشاي، أو ربما سهرة عائلية عفوية مشتركة مع الجيران والأحبة والأقارب في فناء البيت أو الحديقة، أو حتى جلسة مع أصدقاء العمل في مقهى المؤسسة أو في المطعم…كنا نعيش تلك اللحظات بمتعة، دون أن نظنّ أنها قد تُولّي، وإن إلى حين، بفعل فيروس مستجدّ ما زلنا نجهل عنه الكثير، بحسب علماء الأوبئة والأمراض المعدية، ووكالة ناسا والبنتاغون وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي ورابطة العالم الإسلامي والأزهر الشريف ودور الإفتاء الأخرى في مختلف عواصم العالم الإسلامي…التي اتحدت في التحذير من الوباء وفشلت في الوصول إلى كلمة سواء فيما عداه.

ننام ونحن نفكر بأن يومنا الذي انقضى مكسب حققناه، لكن غدنا مجهول، فيخيل إلينا أننا نصحو على صوت آت من زمن غابر يحدّثنا عن “يومنا الأخير”-وفقا لميخائيل نعيمة- طالبا منا إحسان وداعه وإتمام كل مشاغلنا في سويعات قليلة، فتتوارى تلك الذكريات خلف ما تقصفنا به وسائل الإعلام، بجميع أصنافها، من أخبار لا تحمل سوى الألم ولا تنشر غير الرعب والقتامة حول ما يكتنف مستقبل البشرية من ظلام ومجهول غير محدّد الملامح، ليحل محلها حجر صحي إجباري، وآخر اختياري، وثالث ما بين هذا وذاك، وتباعد اجتماعي وفرض لعدم التجول وإغلاق، تام أو جزئي، لجل مرافق الحياة التي كنا نراها من ضمن المألوف…إذا كانت تلك الذكريات ما زالت تداعب ذاكرتك فعليك أن تتوقف وتسأل نفسك: هل نحن في حرب حقيقية مع فيروس خبيث لقيط؟ أم أنها حرب على الإنسانية متخفية خلف تلك الزعانف المقيتة التي يتدثر بها الفيروس التاجي الجديد، كما تظهره لنا صوره التي ملأت الدنيا؟

أصبح معتادا، ونحن نتابع المحطات التلفزيونية العالمية، أن نرى توقف البرامج المعتادة من أجل بث حي ومباشر لخطاب رئيس إحدى الدول أو الملوك والسلاطين ورؤساء الحكومات، حيث تطل علينا تلك الشخصيات مصحوبة بخلفية طاغية على الشاشة تتضمن ديكورا مهيبا مصحوبا بموسيقى النشيد الوطني للدولة وصور القصور أو المؤسسات الرسمية للدولة تزينها الأعلام الوطنية…ثم تبدأ خطابات الرسميين، التي تتشابه في كل شيء، لكنها بلغات مختلفة.

وعند محاولتك فهم ما قيل تجد أنه يرتكز أساسا على عنصرين متكررين لدى جميع الزعماء، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، طاغيتهم ومنتخبهم عن طريق “انتخابات ديمقراطية، حرة ونزيهة”. ذانك الخطابان هما: خطاب الحرب الشاملة على الفيروس من جهة، والتبشير بقيام دولة الرفاهية من جهة أخرى. أجل دولة الرفاهية التي ستقوم…لكن شريطة أن نلتزم بالحجر الصحي وبالتباعد الاجتماعي وبالانصياع للتدابير التي اتخذتها الحكومات، التي تعرف مصالحنا أكثر منا، وإلا فإنها لن تقوم.

إن خطاب الحرب الذي يرفعه جل زعماء العالم اليوم بمناسبة التصدي لفيروس كورونا لا يعدو، في جوهره، أن يكون أكثر من لعبة اتصال سياسي عادة ما يُلجأ إليه لتبرير قتل الملايين من البشر الذين يموتون تحت القنابل، أو الذين يفرون من المناطق التي دمرتها الصراعات المسلحة. لكن صياغة هذا الخطاب “الحربي” في هذا الظرف بالذات تهدف أيضًا إلى إعادة تكوين السرديات وإخراجها في لبوس يسمح بإظهار “زعماء العالم الحرّ” في صورة “المنقذين” لأممهم وللعالم.

وبالرجوع إلى أدبيات العلوم الاجتماعية، نجد أن المؤرخة البلجيكية آن موريلي بيّنت في كتابها المعنون “دعاية الحرب” كيف يلجأ مروجو الحملات الإعلامية الحربية إلى ما أسمته المبادئ العشر الأساسية لإطلاق حملة حربية.

دعونا نقف عند أربعة من تلك المبادئ، وهي: المبدأ الثالث الذي يقول إن “العدو هو وجه الشيطان (شيطنة العدو، شخصنته/ حصره واختزاله في شخص واحد أو مجموعة محددة من الأشخاص، والمبدأ الثامن القائل “الفنانون والمثقفون يناصرون قضيتنا”، والمبدآن التاسع والعاشر على التوالي “قضيتنا مقدّسة”؛ و”المشككون في روايتنا خونة أو أعداء للأمة”.

دعونا الآن نحاول تنزيل بعض تلك المبادئ على الوضع الحالي الحافل بخطابات الحرب المثيرة للقلق على فيروس كورونا، لنرى إلى ما يقودنا ذلك.

لنبدأ بالمبدأ الثالث، الذي يقول إن “للعدو وجه الشيطان”. سنلاحظ أن كل خطابات زعماء العالم تتحدّث عن عدو خفي وماكر موجود في كل مكان، وهو غير مرئي، بعيد المنال ويتقدم نحونا من كل الاتجاهات الستة، بل وقد يأتينا حتى من أنفاس من نقاسمهم وسائدنا وحياتنا وأحلامنا.

 

نقرأ في المبدأ الثامن “نحن نحظى بدعم الفنانين والمثقفين لقضيتنا”. نلاحظ هنا أن هيئات الشرعية والمشروعية قد تغيرت صفاتها بعض الشيء في قضية الحرب على كورونا، فأولئك الذين يلعبون دور هذه الشهادة وذلك الدعم في هذا المقام الملتحف بفيروس كورونا لشن الحرب، هم الأطباء وعلماء الفيروسات والجراثيم والأوبئة الذين يقدمون المشورة للحكومات.

المبدآن التاسع والعاشر: “قضيتنا مقدّسة” و”المشككون في روايتنا خونة أو أعداء للأمة”. هذان المبدآن هما الأكثر أهمية، من بين جميع المبادئ الأخرى، في تشكيل الجوانب الرمزية لخطابات زعماء العالم. فهما يسمحان لهم بتعبئة مختلف قطاعات المجتمع وإمكانات الدولة، كما ييسّر عليهم تصنيف أصحاب “السلوك المنحرف” الذين يتصرفون خارج قيود تدابيرهم الموضوعة ضمن “أعداء الأمة” لأنهم لا يحمون الآخرين ويخاطرون بتلويث أصدقائهم وآبائهم وأجدادهم ويعرضون صحة أولئك الأعزاء وحياتهم للخطر.

ما يبرز أيضا في خطابات الزعماء لشعوبهم هو تلك النبرة الواضحة من الحزم والجدية، والتهديد المبطّن أيضا، مفاده أن حماية الجماهير مسئولية يحملها الزعماء الملهمين، لكنها مشروطة حصرا بإبداء السمع والطاعة وبذل الولاء للحكام، وعدم التشكيك في سياساتهم ولا في جدوى التدابير المقيدة للحريات التي فرضتها حكوماتهم. ومع أن هذه الخطابات ليست مبتكرة، في حد ذاتها- لكنها، في هذه الحالة، امتدّت إلى سياقات أخرى بعيدة هذه المرة عن فئات الأعداء التقليديين-الإرهاب والجماعات المتطرفة والبلدان الاشتراكية والإخوان…-  إنها هنا فيروس مجهول لا وجه له ولا ملامح ولا جسد يمكن تدميره بترسانة الأسلحة التقليدية وغير التقليدية، المحرمة منها وغير المحرمة.

لقد كشفت هذه الخطابات عن تهافت مقولات سابقة، أغرقنا بها “العالم الحر” بمختلف مؤسساته، تبشر بوصول البشرية إلى مرحلة الرفاهية الشاملة مع الرأسمالية الممثلة لنهاية التاريخ التي نظّر لها فرانسيس فوكوياما، والسيطرة المطلقة على الطبيعة، وتؤمن بأن الإنسان (الغربي) بلغ مستويات من القوة-وفقا لفلسفة نيتشه- جعلته إنسانا أعلى، ومعلنة موت الإله ومحذرة-وهذا أمر بالغ الأهمية- من أن الإيمان بغير هذا سيؤدي إلى صراع حضارات، كالذي حذر منه صموئيل هانتيغتون وتوقع انتصار الحضارة الغربية التي ستسحق غيرها.

لكن خطابات الحرب والوعيد والثبور تلك كشفت عن ضعف بشري جليّ لا تصمد أمامه مقالات التفوق العلمي وانتصار البشرية على الطبيعة. فقد كشف فيروس كوفيد 19 عن عورة القوة البشرية وأنهى وهم سيطرتهم على جميع الكائنات الأخرى التي تعيش في عالمنا، وسيعيدهم، شاءوا أم أبوا، إلى مراجعات شاملة للإيمان والأخلاق وكل ما يتعلق بالأفكار والمبادئ السياسية والاقتصادية القائمة، وما بنته من مؤسسات ومنظمات وتكتلات وتحالفات.

لقد انتصر علينا، نحن البشر، فيروس كورونا الجديد وجعلنا نشكك في علاقاتنا مع الأحياء وغيّر نمط حياتنا، وكشف عن مكامن الضعف والهشاشة في خياراتنا “الحضارية” الكبرى، فلا نحن نجحنا في حماية البشرية ولا حققنا الأمن…لم نمنع الحروب والجشع ولم نبنِ نموذجنا المجتمعي المثالي، الذي تعمّه العدالة الاجتماعية وتُحترم فيه حقوق الإنسان الأساسية.

ختاما، يذكرني ما يجري اليوم بإحدى الحكايات الخيالية للروائي الدانماركي الشهير هانز كريستيان أندرسن بعنوان ” ملابس الملك الجديدة” حيث يتنافس الجميع لإبداء ثنائهم وإعجابهم بالملابس الجديدة للملك، فيمدحون عباءته المنسوجة من الحرير النادر والمطرّزة بخيوط من الذهب الخالص والتي يعلوها درر نفيسة. كان الجميع يشيد بجمال تلك الملابس الذي لا يُضاهى إلى درجة أن الملك-الذي كان عاريا أصلا- صدّق ذلك الوهم واعتقد أنه يرتدي فعلا تلك العباءة…تواصل الأمر على ذلك النحو حتى اعتاد عليه الجميع، بمن فيهم الملك، حتى دخل صبي في أحد الأيام إلى القصر فهاله أن يرى الملك عاريا فصرخ بصوت أسمع كل من في القصر “الملك عارٍ”. كانت صرخة ذلك الطفل لحظة فارقة أعادتهم إلى الواقع وعرّت الحقيقة وكشفت الزيف.