Human Rights & Public Liberties

Human Rights & Public Liberties

القائمة البريدية

حلقة نقاشية بالجزيرة تؤكد: مشهد حقوق الإنسان بعد كورونا أسوأ بكثير !

تاريخ النشر: 6 مايو, 2021

اتفق مسؤولون حكوميون وأمميون وأكاديميون مختصون وإعلاميون ممارسون لمهنة الصحافة والإعلام على أن الحالة العامة للحريات وحقوق الإنسان في العالم سوف تتأثر عقب انتهاء جائحة ( كوفيد- 19 )، جراء التدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومات والهيئات والشركات على مدار العامين الماضيين للتغلب على الجائحة وتطويق آثارها.

جاء ذلك في إطار حلقة نقاشية نظمها مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان بالتعاون مع اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر، وقناة الجزيرة مباشر، تحت عنوان: وسائل الإعلام والحق في المعرفة: المسؤوليات والواجبات، وذلك في إطار الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة.

شارك في الحلقة النقاشية عدد من خبراء وقياديي المنظمات الدولية المعنية، ورؤساء شبكات إعلامية كبيرة، إلي جانب مسؤولين في منظمات معنية بالصحافة والصحافيين من بينهم الدكتور مصطفى سواق، المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية، الدكتور يوسف بن سيف الكواري، نائب رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر، الدكتور إبراهيم سلامة، مدير شعبة هيئات المعاهدات بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

كما شارك فيها أيضا الدكتور غاي بيرغر، مدير السياسات والاستراتيجيات والمعلومات والاتصال باليونسكو، والخبير آيدن وايت، رئيس شبكة الصحافة الأخلاقية، والأمين العام الأسبق للاتحاد الدولي للصحفيين، والخبير في حرية التعبير وخطاب الكراهية، و السيدة باربرا تريونفي، المديرة التنفيذية للمعهد الدولي للصحافة، والدكتورة نينا دوناغي، المحاضرة بمعهد الأخلاق والقانون، بجامعة أكسفورد.

( مرحلة خطيرة )

في البداية، طرح آيدن وايت الخبير في مجال حرية التعبير وخطاب الكراهية القضية بوضوح بقوله: عندما يتعلق الأمر بعلاقة الصحافة مع حقوق الإنسان، فإنني أقول إننا نمر بمرحلة خطيرة، عبر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عندما وصف ” جائحة انتهاك حقوق الإنسان بسبب كورونا بأنها تثير الغضب”، وهو محق في ذلك.

وأوضح أن الأزمة الصحية العالمية استغلتها بعض الحكومات باعتبارها فرصة لفرض قيود على الحريات وارتكاب انتهاكات في مجال حقوق الإنسان، مشيرا إلى تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الذي كشف النقاب عن قيام 83 حكومة في العالم بالتدخل بشكل مباشر بإصدار قوانين وتشريعات تتناقض مع حقوق الإنسان تحت غطاء مواجهة الكورونا.

وأشار أيضا استنادا إلى التقرير ذاته إلى أن 51 حكومة في العالم قامت باعتقال عدد من الناشطين المنتقدين للإجراءات والتدابير التي تقوم بها للتصدي للجائحة باعتبارها تتعارض مع الحريات وحقوق الإنسان، مؤكدا أن ما يبعث على القلق هو أنه عندما يصل العالم إلى نهاية لتلك الجائحة فإن مشهد حقوق الإنسان سيكون أسوأ مما كان عليه قبل 24 شهرا مضت.

( نقطة البداية )

ونقل الدكتور مصطفى سواق المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية النقاش إلى نقطة أكثر ملامسة للواقع حين قال إن المؤسسات الإعلامية، مثل شبكة الجزيرة، لديها أهداف تخدم المجتمع على رأسها تقديم المعرفة للجمهور، ” و لنتمكن من أداء تلك المهمة النبيلة يتعين أن يتم السماح للإعلامي بالوصول إلى المعلومة، لكننا للأسف نرى من خلال عملنا و مكاتبنا المنتشرة في العالم أن بعض الجهات والحكومات وحتى الشركات وغيرها تمنع الصحفي من الوصول للمعلومة، وبالتالي تحرم الجمهور من المعرفة”.

وأوضح سواق موضحا الفكرة بعبارة قصيرة ومكثفة بالقول:” حرية الإعلام هي نقطة البداية في تحقيق التنمية في مختلف المجالات، وهي خدمة ضرورية يتم تقديمها للمجتمع بهدف تنميته وتطويره لدرجة أن أي مسار ديمقراطي لا يمكن أن ينجح بدون ضمان حرية عمل الصحفيين والإعلاميين”.

واتفق الدكتور يوسف بن سيف الكواري، نائب رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر على أن للجائحة تأثيرا لا لبس فيه على حالة حقوق الإنسان فى العالم كله، مؤكدا أن المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان ومنها اللجنة الوطنية في قطر حريصة، في إطار ولايتها، على متابعة كافة التدابير التي اتخذتها الدول لمكافحة تلك الجائحة، وضمان أن تكون هذه التدابير متسقة مع معايير حقوق الإنسان العالمية.

ووصف الوثيقة الإرشادية التي أصدرتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان في 21 أبريل من العام 2020 الماضي بشأن تعامل المؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان مع جائحة كورونا، وصفها بأنها كانت بمثابة خارطة طريق للمشورة التي يمكن أن تقدمها المؤسسات الوطنية للدول فيما يتعلق بكفالة التزاماتها الحقوقية ضمن تشريعاتها وسياساتها وخططها الطارئة التي اتخذتها لمواجهة الجائحة.

وأشار إلى أن تلك الوثيقة أكدت على الدور التكاملي للمؤسسات الوطنية لحقوق الإنسان مع كافة أصحاب المصلحة ومن بينهم وسائل الإعلام المختلفة من أجل التوعية ونشر المعرفة بالوباء ومواكبة احترام وتعزيز حقوق الإنسان لضمان تحقيق مقاربة تصون حقوق الإنسان وتحترم القوانين الطارئة وتراقب تنفيذها دون المساس بالكرامة الإنسانية.

( خبرة الجائحة )

وتعليقا على مسألة الحريات أثناء وبعد جائحة الكورونا، قال الكواري إن الخبرة العالمية في التصدي للجائحة أكدت أيضا وجود علاقة ارتباطية بين الاستجابة الناجعة لوقف انتشار الفيروس من ناحية، ومشاركة المجتمعات سواء كأفراد أو كمؤسسات من ناحية أخرى في تطوير هذه الاستجابة، حيث تؤدي وسائل الإعلام هنا دورا مهما في تمكين الجمهور من المعرفة ونشر المعلومات الدقيقة وكيفية الوقاية وتجنب الإصابة، وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتحقق بدون وجود حرية فى الرأي والتعبير وتدفق حر فى المعلومات مع ضمان دقتها، حسبما قال.

وفي الوقت نفسه، أشار الكواري إلى أن هذه الخبرة أكدت أيضا أن الأزمة الصحية الطارئة لا تبرر فرض قيود على حرية الرأي والتعبير أو تدفق المعلومات أو تمكين الناس من الحق فى المعرفة إلا إذا كانت بهدف منع نشر المعلومات غير الحقيقية أو تلك التي تنتهك الحقوق والحريات مثل نشر خطاب الكراهية أو انتقاص حقوق الآخرين وغيرها من المعلومات غير المحمية بموجب قانون حماية حقوق الإنسان، حسب قوله.

تجدر الإشارة الى أن الحلقة النقاشية التي قام بإدارتها الزميل محمد كريشان المذيع بقناة الجزيرة وعضو مجلس أمناء لجنة حماية الصحفيين ( سي بي جي ) تناولت أيضا واقع وتحديات حرية الإعلام، وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات في ظل الأزمات الصحية الطارئة، والنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية التي تصاعدت معها الحاجة إلى احترام حرية التعبير ونقل الحقيقة للحد من خطاب التضليل والدعوة والتحريض على الكراهية والتمييز والعداوة والعنف.

كما ألقت الضوء على جهود بعض المؤسسات الدولية والمحلية في حماية وتعزيز حقوق الإنسان وحرياته العامة كوحدة مترابطة لا تقبل التجزئة، خاصة حرية الصحافة، وكيف يمكن لوسائل الإعلام التغلب على تحديات الوصول إلى المعلومات والتحقق منها ونشرها بما يخدم الصالح العام.

( الجيد والسيء )

واعتبر غاي بيرغر، مدير السياسات والإستراتيجيات والمعلومات والاتصال باليونسكو ، أنه ليس من السهل العثور على المعلومات وأن الصحفيين والإعلاميين يواجهون صعوبات متزايدة فى الحصول عليها، لذلك أحيانا نصل الى معلومات سيئة وهناك أيضا معلومات جيدة ، وهو ما يدفعنا للتركيز على النوعية الأخيرة عبر تدعيم المهنية في العمل الإعلامي ككل.

وأوضح أنه في غياب حرية الصحافة والإعلام، فإن المعلومات التي يتم توفيرها للجمهور  إما نوع من أنواع الدعاية ( البروباجندا ) أو نوع من أنواع العلاقات العامة، وبالتالي لابد من حماية وصيانة الحق فى الحصول على المعلومات ومراقبة جودتها ودقتها، وهناك دور للجمهور في الدفاع عن حرية الصحافة والتمييز بين الأخبار الجيدة والسيئة وفهم العالم الرقمي الذي نعيش فيه.

ودعا المسؤول الأممي إلى تقوية الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام حتى وإن كانت بعض الحكومات لا ترغب في ذلك، وتقوية ارتباطهم بمنظمات المجتمع المدني واستمرارها في رواية القصص المختلفة بشكل ذي مصداقية ومهنية كبيرة، مشيرا إلى أهمية توسع وسائل الإعلام عبر منصات أكثر وبلغات متعددة ومنتشرة فى المناطق الريفية والقروية، مؤكدا أننا ما لم نفعل ذلك فسوف نضيع، حسبما ذكر.

 

ويلتقط مسؤول أممي آخر هو الدكتور إبراهيم سلامة، مدير شعبة هيئات المعاهدات بالمفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان طرف الحديث من زميله باليونسكو ليقول:” في أوقات الأزمات تزداد أهمية التواصل والمعرفة بأشكالها المختلفة، ولذلك نستطيع القول أن أزمة كورونا زادت من أهمية الإعلام الأكثر مهنية والأكثر حرية في الوقت ذاته”.

( المساحة الرمادية )

وأشار إلى أن تلك الأزمة تثير مجموعة من التساؤلات من بينها تلك المتعلقة بالمسؤوليات المرتبطة بحرية الرأي والتعبير وعلاقتها بالواجبات، وهل العلاج فى المزيد من التشريعات والقيود أم أن هناك أدوارا أخرى فى المجتمع، وما هو الخط الفاصل بين حرية التعبير من جهة والحض على الكراهية من جهة أخرى؟

وقال إن تلك الأسئلة تسلط الضوء على ما يسميه بـ ” المساحة الرمادية ” التي لم يستطع العالم حتى الآن أن يتجاوزها.

وأكد أن أسئلة ما بعد الجائحة خصوصا في مجال الإعلام وحقوق الإنسان سوف تكون أعقد بكثير مما نحن عليه الآن ، وهو ما يعني أننا سوف نحتاج للمزيد من الإعلام والمزيد من المهنية والمزيد من الحرية إلى جانب تدعيم دور القضاء، مشيدا بتجربة مركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان باعتباره نموذجا للتعامل مع هذه الموضوعات في إطار مؤسسة إعلامية كبيرة مثل شبكة الجزيرة.

من ناحيتها، رصدت باربرا تريونفي، المديرة التنفيذية للمعهد الدولي للصحافة بعض التحديات التي تواجهها وسائل الإعلام والصحفيون في المناطق المختلفة من العالم، مشيرة إلى أن تركيا تعتقل 50 صحفيا وهناك عشرات الصحفيين المعتقلين في السجون المصرية، وشهد العام الماضي 2020 قتل 49 صحفيا نتيجة لقيامهم بعملهم الصحفي.

وشددت على أهمية محاصرة ظاهرة الإفلات من المساءلة والعقاب نتيجة حبس أو قتل الصحفيين، واستشهدت بقضية الصحفي السعودي جمال خاشقجي الذي قتل في قنصلية بلاده في إسطنبول في العام 2018، وأيضا ما حدث عقب انقلاب ميانمار في فبراير الماضي حيث ألقت المؤسسة العسكرية في البلاد القبض على 70 صحفيا وفي بيلاروسيا والهند والفلبين وأوغندا ومصر والكثير من البلدان الأخرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية.

وفي ختام المناقشات، ركزت الدكتورة نينا دوناغي، المحاضرة بمعهد الأخلاق والقانون، بجامعة أكسفورد على دور المساءلة القانونية وعدم الإفلات من العقاب التي تناولتها باربرا في كلمتها، وقالت إن هناك فراغا كبيرا فيما يتعلق بالمؤسسات القضائية كما أن العالم بحاجة إلى قوانين أقوى من تلك الموجودة حاليا لتنظيم حرية العمل الصحفي والإعلامي.

ولعل تلك النقطة دفعت الدكتور يوسف بن سيف الكواري، نائب رئيس اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر لدعوة المشاركين في ختام الحلقة النقاشية الإعداد لطرح ما وصفه ببرنامج عمل كفيل بإعمال الحق فى المعرفة مع تعريف وتوضيح الدور المهم المنوط بوسائل الإعلام في هذا البرنامج.

واختتم الدكتور مصطفى سواق المدير العام لشبكة الجزيرة الإعلامية المناقشات بتجديد التزام شبكة الجزيرة  بنهجها المعروف في دعم الصحافة والصحفيين والإعلام المهني الملتزم بمعايير وأخلاقيات المهنة بعيدا عن الإعلام الموجه، مشيرا إلى الدور المميز لمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسان في تناول تلك القضايا وتعزيزها ضمن الإطار العام لعمل الشبكة ككل.