الحريات العامة وحقوق الإنسان

الحريات العامة وحقوق الإنسان

القائمة البريدية

الموازنة العامة المحققة لمعايير حقوق الإنسان وجائحة كورونا

تاريخ النشر: 18 مارس, 2021
مشروع قانون الموازنة يجب أن تتوفر قبله مؤشرات واضحة عن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية وغيرها (الجزيرة)

مشروع قانون الموازنة يجب أن تتوفر قبله مؤشرات واضحة عن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية وغيرها (الجزيرة)

د. محمد تركي العبيدي

تعمد الدول في الأحوال الاعتيادية إلى تكليف الخبراء الماليين بإعداد مشروع الموازنة العامة للدولة، وفي غالب الأحوال لا يكون لهؤلاء الخبراء دراية ومعرفة بمعايير حقوق الإنسان، إنما اكتسبوا خبراتهم من تواتر العمل والتحصيل العملي في المجالات المالية والاحتكاك فضلا عن العلاقة بالسياسيين وأصحاب القرار.

ولا يبدو في الكثير من الحالات أن هناك لمسات إنسانية واضحة في قوانين الموازنة العامة، إنما تغلب عليها العمليات الحسابية، فهي تعبير عن لغة الأرقام في وضع الإيرادات المتوقعة والنفقات المخطط لها، وبيان مقدار العجز المتوقع في الموازنة وكيفية تغطيته خلال العام الذي وضعت من أجله، وتقسيمها على أسس النفقات التشغيلية والاستثمارية مع وضع فقرات خاصة للديون الداخلية والخارجية وخدمة تلك الديون، فضلا عن سياسات الإصلاح الاقتصادي المدمجة ضمنا في قانون الموازنة العامة.

وتمر مشاريع الموازنات العامة بعملية معقدة من المناقشات التي يغلب عليها الطابع السياسي والمناطقي، ولا تعير حقوق الإنسان أهمية واضحة ومؤثرة إلا في الأحوال التي تكون تلك الحقوق والحريات جزءا من برنامج سياسي، وعلى هذا الأساس قد تقتطع تخصيصات وتضاف أخرى وتغير مناطق صرف المبالغ على غير الأسس المستندة إلى حقوق الإنسان.

إن من المناسب احترام المعايير الآتية في عملية اعتماد وضع الموازانات العامة للدول:

  • عدم التمييز في النفقات أو تحصيل الإيرادات.
  • تحصيل النفقات دون الإضرار بالفئات المهمشة.
  • خدمة الدين يجب ألا تكون على حساب الخدمات الأكثر أهمية.
  • دراسة آثار الإصلاحات الاقتصادية المدمجة مع الموازنة لضمان عدم تأثيرها على الحقوق.
  • ضمان ألا تكون الإصلاحات الهيكلية المدمجة مع الموازنة مؤثرة على انسيابية الخدمات.
  • القضاء على الفساد المرافق لعملية تحصيل الإيرادات.
  • اعتماد الخطط الوطنية لحقوق الإنسان كأداة لتحديد أوجه الإنفاق المراعي لحقوق الإنسان.

وإذا كانت تلك المعايير ذات عبارات واضحة، إلا أن وضعها في السياق العام لعملية إعداد الموازنة يتطلب تفاصيل دقيقة لبيان الأوجه المتوقعة لضرورات تلك الدولة لمراعاة حقوق فئات معينة من الشعب أو المناطق وحاجتها لنوع من أنواع التمييز الإيجابي في سياق الموازنة العامة. وعلى هذه الأسس فإن دراسة مشروع قانون الموازنة والأعمال التحضيرية له يجب أن تتم بدقة وعناية فائقة، وأن تتوفر مؤشرات واضحة عن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشكل خاص فضلا عن الحقوق المدنية والسياسية.

إن المؤشرات الحقيقة لحقوق الإنسان يجب أن تقيد عمل واضعي الموازنات العامة بشكل كامل؛ لأن السير بإجراءات إقرار قانون الموازنة العامة دون الالتفات لتلك المؤشرات سوف يفاقم الأعباء على تلك الفئات، وقد يؤدي لاحقا إلى صعوبة وضع برامج للمعالجة خلال وقت قصير.

وتمثل الفئات الأكثر حاجة للرعاية الحكومية ضغطا أساسيا في مجال حقوق الإنسان في سياق الموازنة العامة مثل الأشخاص ذوي الإعاقة والنازحين داخليا والعوائل دون خط الفقر والعوائل المعتمدة على برامج الحماية الاجتماعية والإعانات، حيث إن أي انحراف في المؤشرات الخاصة بعملية وضع الموازنة العامة سوف يؤدي إلى نتائج كارثية عليه، كما أن تجاهل احتياجاتهم الطارئة سوف يقحم هذه الفئات في دوامة الفقر المدقع والعوز الفعلي الكبير.

وأضيفت إلى الفئات أعلاه فئة جديدة تمثل الأشخاص المعتمدين بشكل كامل على الرواتب الحكومية (صغار موظفي الدولة) المتأثرين ببرامج الإصلاح الاقتصادي، حيث إن الإصلاحات الاقتصادية تلجأ في الغالب للبحث عن نتائج سريعة ومضمونة ومباشرة لغرض الإعلان عن النجاح الجزئي لتلك الإصلاحات. وتعويم العملة أو رفع الضرائب أو تخفيض الرواتب فعليا أو من خلال تخفيض القوة الشرائية أو تسريح الموظفين وتقليص عددهم سوف يؤدي بالنتيجة إلى الإضرار الفعلي بهذه الفئة.

وإذا كانت الدولة تعد شخصا مضمونا بالنسبة للموظف الحكومي فإن القطاع الخاص محكوم بنوع مختلف من العلاقة بين أرباب العمل والعاملين، حيث تؤثر الإصلاحات الحكومية وقوانين الموازنة العامة بشكل سريع على اقتصاديات هذه الفئات وتودي إلى نتائج كارثية قد لا تسعفها قوانين العمل والضمانات المنصوص عليها فيه.

ومثلت جائحة كورونا تحديا كبير أمام الدول في عملية وضع مشروع قانون الموازنة العامة لما تسببت به تلك الجائحة من آثار اقتصادية على مختلف مجالات الاقتصاد الوطني فضلا عن الخدمات المقدمة وسير الحياة العامة وربما حتى السياسية منها، حيث ساهمت قرارات الحظر الكلي والإغلاق ومنع التجمعات وتعليق الدوام الرسمي وصعوبة الحركة وغيرها في توقف كلي للمشاريع الصغيرة والعائلية وتسريح العمال وانهيار الاقتصادات الصغيرة وارتفاع نسبة الأشخاص تحت خط الفقر. وتطلبت اتخاذ قرارات استثنائية لتوفير الدخل لفئات متعددة من السكان كما أنها أدت إلى اللجوء للتعويض من المدخرات العائلية، ومن جانب آخر أصبحت فئات أخرى من المجتمع أكثر عرضة للأضرار نتيجة للجائحة.

كما أدت الجائحة إلى تعطيل أنظمة التعليم بالكامل لمدد طويلة بسبب عدم توفير تخصيصات مالية في الموازنات العامة لمواجهة هذه الحالات الطارئة، وهذا ما انصرف على الصحة وحقوق النازحين داخليا والنساء والأطفال، وغيرها.

إن الاستجابة الفعلية لمعايير حقوق الإنسان في عملية وضع الموازنة العامة في ظل جائحة كورونا يجب أن تكون أكثر مرونة وعدالة في نفس الوقت لتوفير نفقات كافية ومشاريع حقيقية لإصلاح الأوضاع التي ترتبت بعد الجائحة والأخذ بنظر الاعتبار أن تلك الآثار ستكون طويلة الأمد، كما أن ذلك يتطلب التحسب في السنوات القادمة لمثل هذه الأضرار الطارئة.

إن تدخل الدولة في الاقتصاد يجب أن يتضمن زيادة في التخصيصات الاجتماعية وعدم المساس بتخصيصات الخدمات بأي شكل من الأشكال لتعويض النفقات المطلوبة، ومن جانب آخر يجب زيادة التخصيصات الاستثمارية لتأهيل القطاعات الخدمة لمواجهة آثار الجائحة وغيرها من المؤثرات الطارئة مستقبلا.