آراء

محاكمات بالمغرب خارج الأسوار

حسـن زردانـي*

من الموضوعات المثيرة للانتباه في الآونة الأخيرة أن التعاطي مع الكثير من القضايا بالمغرب، خاصة تلك التي تشغل الرأي العام كجرائم الصحافة والجرائم الجنسية وغيرها كثير، يتم بشكل عشوائي وغير قانوني في كثير من الأحيان. وفيه خرق لقرينة البراءة والحياة الخاصة من جهة، وفيه أيضا تهديد لاستقلال السلطة القضائية من جهة أخرى، علاوة على الهدر الحقيقي لحقوق الأطراف والخصوم في الدعوى الجنائية.

وبإمكاننا القول إن من أبرز هذه القضايا واقعة اعتقال ومتابعة أحد أشهر الصحفيين المغاربة مؤخرا على خلفية اتهامه بمجموعة من الجرائم الخطيرة، بدءا بارتكابه جنايات الاتجار بالبشر باستغلال الحاجة والضعف والهشاشة واستعمال السلطة والنفوذ لغرض الاستغلال الجنسي عن طريق الاعتياد والتهديد بالتشهير، وهتك عرض بالعنف والاغتصاب ومحاولة الاغتصاب، وغيرها من الجرائم الأخرى، كجنح التحرش الجنسي وجلب واستدراج أشخاص للبغاء من بينهم امرأة حامل واستعمال وسائل للتصوير والتسجيل.

وتثور هنا تساؤلات كبرى محليا ودوليا، من قبيل: هل قام المتهم حقيقة بكل تلك الأفعال الإجرامية؟ وما علاقة هذا الاعتقال بالخط التحريري لصحيفته والافتتاحيات الجريئة التي يكتبها وينتقد فيها زواج المال والسلطة بالمغرب، بالإضافة إلى انتقاده شخصيات نافذة في المملكة المغربية؟ وهل في الأمر تصفية حسابات شخصية إلى حدّ حمله على أنه جزء من المخطط السلطوي الذي يسعى لتكبيل حريّة الصحافة والتعبير؟ إلى غير ذلك من الأسئلة.

لكن السؤال الجوهري -في نظرنا- الذي يفرض نفسه في هذا المقام فوق كل هذه الاعتبارات يتصل أساسا بمدى احترام المساطر القضائية ومبدأ قرينة البراءة والحياة الخاصة بالمتهم والضحايا المفترضين، ومدى استقلال السلطة القضائية في التعامل مع هذه القضية وغيرها من القضايا خاصة حينما يتعلق الأمر بصحفي، ولماذا أصبحنا نحاكم الأشخاص خارج أسوار المحاكم وخارج مراحل الدعوى الجنائية؟

إن الإجابة عن هذه المشاغل وغيرها توجهنا بدءا إلى الإشارة إلى أن مبدأ قرينة البراءة يعد من أهم المبادئ التي أقرها الدستور المغربي لسنة 2011 لضمان المحاكمة العادلة، وذلك من خلال التنصيص عليه في الفصلين 23 و119 وكذلك من خلال المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية.

إن الأصل الثابت أن الإنسان يولد بريئا ويظل بريئا ولا تنتقص براءته إلا بحكم قضائي نهائي حائز لقوة الشيء المقضي به.

ولمبدأ قرينة البراءة انعكاس مباشر على الإجراءات الجنائية عموما، بدءا بمرحلة البحث التمهيدي، ووصولا إلى مرحلة المحاكمة.

إن أهم ما يجب التوقف عنده فيما يتعلق بانعكاسات هذا المبدأ هو مدى تحمل النيابة لعبء الإثبات، إضافة إلى كون المتهم غير ملزم بإثبات براءته.

ومن المسائل التي تمّت ملاحظتها وأثارت انتباهنا، سواء في هذه القضية أو في قضايا أخرى هو الإعلان عن اسم الظنين أو المشتبه فيه أو المتهم أو تقديم أي إشارة تمكّن من التعرف على هويته دون موافقته، وذلك إلى حين صدور حكم نهائي في حقه، وهذا الأمر قد يؤثّر بحقّ على مبدأ قرينة البراءة.

بالإضافة إلى عدم احترام المساطر القضائية، وذلك من خلال الكشف عن مضامين وتفاصيل محاضر الضابطة القضائية بشكل لافت ومخالف للقانون، وكذا عن صكوك الاتهام أو أي من وثائق المسطرة الجنائية أو الجنحية قبل أن تتداول في جلسة عمومية.

وصفوة القول إن التغطية الإعلامية لقضية ما بات يعرف بالاعتداءات الجنسية والاتجار بالبشر تراوحت بين تغطية مهنية تشرف الإعلام المغربي وتثق في التوجهات الكبرى للدولة بخصوص استقلال السلطة القضائية المفترض، وعلى رأسها استقلال النيابة العامة، وبين تغطية غير مهنية استهدفت التشهير بالمتهم والمشتكيات والضحايا المفترضين والتدخل في الحياة الخاصة لجميع أطراف القضية ضاربة بعرض الحائط كل القواعد المتعلقة بأخلاقيات المهنة، وبشكل أدى لخلخلة قرينة البراءة مع عدم احترام المساطر القضائية والحياة الخاصة.

محاكمتان
وبذلك أصبحت الحجج والحجج المضادة تتداول خارج أسوار المحكمة، وكأننا نحاكم الأشخاص مرتين؛ مرة من خلال الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات، ومرة أخرى أمام القضاء.

وفي هذا الإطار، هناك من أطلق حملة تضامن مع الصحفي والكاتب المغربي (توفيق بوعشرين) تطالب بإطلاق سراحه مؤكدين أن الصحافة ليست جريمة، منتقدين الاتهامات التي تم توجيهها للصحفي المعروف بقلمه الجريء.

وهناك من اعتبر أن من حق الضحايا المفترضين أن يتمتعن بالمساواة أمام القانون، وأن من حقهن الدفاع عن حقوقهن من دون أن يتعرضن لأي ضغط إعلامي أو مجتمعي.

وفي اعتقادنا أنه لا ينبغي أن نعطي أحكاما جاهزة في أي قضية كيفما كانت، ويتعين التريث واحترام قرينة البراءة والمحاكمة العادلة التي تضمن للجميع حقوقهم، بمن فيهم المشتكيات والضحايا المفترضون، وضرورة عدم التأثير على السلطة القضائية في أي قضية كانت، سواء تعلق الأمر بصحفي أو بغيره من الأشخاص، فالمحاكمة ينبغي أن تكون أمام القضاء وداخل أسواره -وليس خارجه- ليقارع كل طرف حججه ويدلي بمرافعاته ودفوعه الشكلية والموضوعية، ويبقى في الأخير الحكم بناء على قناعة المحكمة الشخصية، وبناء على الأدلة الجنائية المتوفرة لديها، وهذا الحكم ينبغي أن يكون محترما لضمانات المحاكمة العادلة وبعيدا عن الحسابات السياسية.

وفي سياق هذه القضية أو غيرها ينبغي الإشارة إلى أن كلا من القضاء والإعلام يعد اللبنة الأساسية في مسلسل البناء الديمقراطي، فالإعلام لا يمكنه إنكار دور السلطة القضائية -التي يفترض فيها أنها مستقلة- في بناء دولة القانون، وينبغي أن تكرس جهودها لحماية حقوق الإنسان، مع الحرص على تجنب الانتقادات سواء من المنظمات الدولية أو الوطنية. كما لا يمكن للسلطة القضائية أن تنكر بدورها على الإعلام الدور نفسه، ولا أن تحجم من مفعول إسهامه، ويتعين أن تعمل على التنسيق معه في كل القضايا، وألا تكون فزاعة مسلطة عليه للحد من حرية الصحافة.

ويبدو أن الممارسة العملية لعمل كل منهما قد أفرزت سوء فهم ينقلنا من التكامل والتعاون المطلوب بين السلطة القضائية والإعلام في بعض الأحيان إلى التنازع والتنافر بينهما، بفعل ما قد يرافق عملية التغطية الإعلامية من تشنجات خاصة أن عمل السلطة القضائية مسيج بالسر المهني بغض النظر عن المتابع فيها هل هو صحفي أم شخص آخر؟ وهو الأمر الذي يحدّ من طريقة التعامل مع المعلومات القضائية بالنسبة للصحفي الذي يزود الرأي العام بكل ما يحدث داخل المجتمع. علما بأن القانون يعاقب كل من يحاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة، أو يمس بسير العدالة وقرينة البراءة والحياة الخاصة للأفراد.

ولتتجاوز سوء الفهم الحاصل بينهما في بعض الأحيان ينبغي تكوين القضاة في المجال الإعلامي وتكوين الصحفيين في المجال القانوني والقضائي وتنظيم ندوات ودورات تدريب مشتركة بينهما.

إن مسألة الحفاظ على التفاعل الإيجابي بين الإعلام والسلطة القضائية من خلال التواصل الدائم والبناء، تشكل المفتاح لتفعيل أدوارهما التكاملية، وتبقى الركيزة الأساسية لتجاوز أي مخاطر قد تعصف بأي بناء ديمقراطي.
------------

*أكاديمي وباحث مغربي

إضافة تعليق جديد