آراء

إعلان حالة الطوارئ في تركيا

من منظور حقوق الإنسان 

فتح إعلان تركيا حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر الباب أمام جدل سياسي كثيف غطى على معظم زوايا التغطية الصحفية الإخبارية والبرامجية لما بعد المحاولة الإنقلابية الفاشلة التي تعرضت لها البلاد.

قد يكون مبررا تخوف بعض جماعات المعارضة الداخلية والمجتمع المدني في تركيا كونهم تصدوا للمحاولة الإنقلابية جنبا إلى جنب مع رئيس الحكومة المنتخبة دفاعا عن الديمقراطية التي تضمن لهم الحرية والتبادل السلمي للسلطة في زمن أضحت فيه الإنقلابات وإعلان حالة الطوارئ الممتدة دون تقييد أثرا من االماضي إلا في دول لا يتجاوز تعدادها أصابع اليد الواحدة حول العالم.

ولعل التخوف من إعلان حالة الطوارئ والجدل حوله يعود في الغالب الأعم لسببين.

السبب الأول أن التجربة المريرة للأتراك أنفسهم مع الإنقلابات العسكرية وحكم العسكر، والتجارب الماثلة في محيط  تركيا وما جرى فيها من إنقلابات قضت على آمال الشعوب في الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وجعلت من تمتع شعوبها بالحرية آملا بعيدة المنال.

والسبب الثاني  يعود إلى ضعف ثقافة النخب السياسية وحتى الكثير من النشطاء حول مدلولات إعلان حالة الطوارئ، والقيود التي يجب الإلتزام بها  عند إتخاد مثل هذه القرار المؤثر.

كما لعب الإعلام الدولي والمحلي دورا مؤثرا في تكثيف سحبا ملبدة بالغيوم هطلت على الجمهور بمعلومات منقوصة وتفسيرات متضاربة كادت أن تعطي إنطباعا بأن إعلان حالة الطوارئ سيشكل بداية ردة عن طريق الديمقراطية وسيفتح المجال لإنتهاكات واسعة لحقوق الإنسان.

وفي مثل هذه الأوضاع يكون من الأهمية بمكان تسليط الضوء على إعلان حالة الطوارئ من منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، وما يفرضه من إلتزام على المستوى المحلي، وتوضيح المرجعية التي تستند إليها المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية في مناشدة الدولة بعد اللجوء إلى إعلان حالة الطوارئ وحدود تدخلاتها السياسية.

ضمانات حماية وتعزيز حقوق الإنسان في حالة الطوارئ

إرتضت الدول الأطراف في المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان بكامل إرادتها الإلتزام بمسؤولية إحترام وحماية ووفاء حقوق الإنسان وكفالة التمتع التام بها لشعوبها في مقابل إحترام الأفراد لحقوق الأخرين عند ممارستهم لحرياتهم وحقوقهم الأساسية. ونهضت لأجل ذلك آليات حماية دولية ومحلية لتراقب وترصد مدى إلتزام الدول بتوفير ضمانات التمتع التام بحقوق الإنسان للجميع وعلى قدم المساواة.

ولم يدع النظام الدولي لحقوق الإنسان مجالا لإهدار أو إنتقاص الحقوق  الحريات التي تم إقرارها للبشرية جمعاء حتى في أوقات الطوارئ العامة التي تهدد حياة وإستقرار وأمن الأمة.

وقد نصت المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على جواز إعلان الدولة لحالة الطوارئ، ولكن فرضت على الدولة المعلنة إبلاغ الدول الأطراف الأخرى عن طريق الأمين العام للأمم المتحدة بالأسباب التي دعتها لإعلان حالة الطوارئ، وتحديد الأحكام أو الحقوق والحريات الواردة في العهد التي لن تتقيد بها، ومدة سريان حالة الطوارئ،  وتاريخ رفعها.

وبذلك يعتبر إعلان حالة الطوارئ  إجرءاً إستثنائياً لتقييد بعض الحقوق والحريات بشرط ألا ينطوي هذا التقييد على أي تمييز يكون مبرره فوارق عرقية أو دينية أو جنس أو لغة أو أصل إجتماعي أو يفتح بابا للتنصل عن الإلتزامات القانونية والأخلاقية التي نصت عليها الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، بما يمس الكرامة الإنسانية المتأصلة لكل الناس.

الحقوق والأحكام التي لا يمكن تقييدها في حالة الطوارئ:

نص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية بانه لا يجوز مطلقا تقييد الحقوق الأساسية التالية حتى عند إعلان حالة الطوارئ وسريانها، وتحت أي مبرر، وهي:

  • عدم جواز إهدار الحق في الحياة (المادة 6) حيث لا يجوز الحكم بعقوبة الإعدام إلا في الجرائم الأشد خطورة، وأن يكون منصوصا عليها في القانون وقت وقوع الفعل، مع ضرورة إحترام معايير المحاكمة العادلة من افتراض للبراءة وتوفير للبينات والأدلة والحق في الدفاع عن النفس بواسطة محامي، وإعادة النظر في الحكم عبر مراحل التقاضي المتدرجة، إضافة إلى كفالة الحق في إلتماس العفو أو تخفيف العقوبة.
  • عدم جواز التعذيب (المادة 7) – حيث لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة. وقد نصت المادة الثانية من الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة على أنه لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أيا كانت، للجوء إلى التعذيب سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب أو تهديدا بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب، وأضافت في الفقرة الثانية منها أنه لا يجوز أيضا التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب. كذلك فقد أشارت المادة 16 من الإتفاقية على تعهد الدول الأطراف على منع حدوث أي أعمال أخرى من أعمال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة التي لا تصل إلى حد التعذيب كما حددته المادة 1، عندما يرتكب موظف عمومي أو شخص آخر يتصرف بصفة رسمية هذه الأعمال أو يحرض على ارتكابها، أو عندما تتم بموافقته أو بسكوته عليها.
  • عدم جواز الإسترقاق (المادة 8) – حيث لا يجوز استرقاق أحد، ويحظر الرق والاتجار بالرقيق بجميع صورهما، ولا يجوز إخضاع أحد للعبودية، ولا يجوز إكراه أحد على السخرة أو العمل الإلزامي،
  • عدم جواز السجن لأي أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي (مادة 11)
  • لا يجوز سجن أي إنسان لمجرد عجزه عن الوفاء بالتزام تعاقدي.
  • عدم جواز الإدانة على فعل أو إمتناع لم يكن يشكل جريمة بموجب القانون المحلي أو الدولي وقت وقوعه (المادة 15) – ويجب أن يستفيد الجاني من تطبيق العقوبة الأخف المنصوص عليها في القانون الذي كان ساريا وقت بدء محاكمته ولا يجوز تطبيق العقوبة الأشد عليه والتي نص عليها القانون الأحداث لنفس الفعل. على أن يستفيد الجاني من تخفيف العقوبة إذا صدر قانون جديد ينص على عقوبة أخف.
  • عدم نزع الإعتراف بالشخصية القانونية (المادة 16) حيث يجب أن يتمتع كل إنسان، في أي مكان وزمان في أن يعترف له بشخصيته القانونية.
  • عدم جواز إهدار الحق في حرية الفكر والوجدان والدين (المادة 18)- حيث يجب أن يتمتع الفرد بحرية إختيار الدين وإعتناق أي معتقد يختاره، وإظهاره وممارسة شعائره، وتعلمه وتعليمه، بمفرده أو مع جماعة، بما في ذلك احترام حقوق الوالدين في تربية أبنائهم دينيا وخلقيا وفقا لقناعاتهم الخاصة، ولا يجوز أبداً تعريض الأفراد أو الجماعات لإكراه بإعتناق أو تغيير دينهم،  ولا يجور إخضاع ممارسة هذا الحق إلا للقيود القانونية الضرورية التي تمنع إهداره أو تجعل ممارسته تؤثر على حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.

ويفرض إعلان حالة الطوارئ على السلطات الوطنية إلتزامات أشد، منها:

  • منع إرتكاب أية إنتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وإتاحة وسائل الإنصاف ووتيسير الوصول إليها من قبل من يدعون أنهم ضحايا، وتقديم من تثبت إدانته للمساءلة ومنع إفلات الجناة من العقاب، وضمان التعويض المادي أو المعنوي الذي يتم الحكم به.
  • تمكين السجناء والمعتقلين من التمتع بالضمانات القانونية المكفولة لهم بموجب الصكوك الدولية لحقوق الإنسان، بدءا من إيداعهم سجون معلنة ومعروفة، وتسجيل أسمائهم، وأماكن حجزهم في سجل مركزي متاح للإطلاع من المعنيين من الأقارب، وعدم عزلهم، والسماح لهم بمقابلة الأطباء وأفراد عائلتهم، والمحامين، 
  • عدم قبول أي أدلة أو إعترافات تم إنتزاعها تحت التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية،
  • الحرص على تدريب ومراقبة منفذي القانون وتوجيههم لكيلا لا يلتجئوا أبداً إلى إرتكاب التعذيب في جميع مراحل الإجراءات العدلية.
  • تقدم الدولة تقريرا للجنة المعنية برصد تنفيذ العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، يتم الإفصاح فيه عن طبيعة ونطاق الحقوق التي تم إنتقاصها أو تقييدها، وأن ترفق الدولة الوثائق التي تؤكد صحة ودقة ما قمت به.

تركيا وآليات حماية حقوق الإنسان:

تعتبر تركيا من الدول الأطراف القلائل في المنطقة التي وافقت على الإلتزام القانوني والإخلاقي بالمعاهدات الدولية الأساسية لحقوق الإنسان، وإن جاءت موافقتها (بالمصادقة أو الإنضمام) على هذه المعاهدات خلال الثلاثة عقود الماضية، وفقا للتسلسل الزمني التالي:

  • الإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة في 20 ديسمبر 1985م،
  • الإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في 2 أغسطس 1988م،
  • والإتفاقية الدولية لحقوق الطفل في 4 أبريل 1995م،
  • الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري في 16 سبتمبر 2002م،
  • والعهد الدولي الخاص بالحقوق الإقتصادية والإجتماعية والثقافية 23 سبتمبر 2003م،
  • والإتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم في 27 سبتمبر 2004م،
  • والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في 2 مارس 2006م،
  • والإتفاقية الدولية للأشخاص ذوي الإعاقة 28 سبتمبر 2009م.

ووفقا لما تقدم إعلاه يمكننا تفسير موافقات تركيا على هذه المعاهدات في الفترة من 1995م إلى 2012م، من زاويتين:

 الزاوية الأولى  تعبر  موافقات تركيات عن إرادة ساسية للحكومة وإستعدادها لإتاحة طرق الإنتصاف إلى أقصى مدى.

والزاوية الثانية تعبر عن نضج الشعب ومؤسسات المجتمع المدني التركي المعنية بحماية وتعزيز حقوق الإنسان وقدرتهما على الضغط والتأثير. وفي كلا الحالتين فإن المستفيد الأول هو الدولة حكومة وشعبا.

وإقرارً من تركيا برغبتها في تحقيق الشفافية والمساءلة في إحترام ووفاء وحماية حقوق الإنسان فقد وافقت على:

  • البروتكول الإضافي الملحق بالإتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب في 27 نوفمبر 2011م، وهذا البروتكول يلزم الدولة بإنشاء نظام مراقبة من هيئات دولية ووطنية مستقلة يتم تعيينها في كل دولة طرف لتقوم بزيارات منتظمة لأماكن الإحتجاز التي يحرم فيها الأشخاص من حريتهم، وذلك بغية منع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. كما يؤسس البروتكول بموجب المادة الثانية منه اللجنة الفرعية لمنع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة  وتقوم بأداء المهام المنصوص عليها في هذا البروتوكول، وتؤدي اللجنة عملها في إطار ميثاق الأمم المتحدة وتسترشد بمقاصده ومبادئه وكذلك بالمعايير التي وضعتها الأمم المتحدة لمعاملة الأشخاص المحرومين من حريتهم، مستلمهمة مبادئ السرية والنزاهة وعدم الإنتقائية والشفافية والموضوعية، وتعتمد هذه اللجنة في تنفيذ مهامها على التعاون بين الأطراف في البروتكول.
  • البروتكول الإضافي الملحق بالإتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المراة الذي يمكن لجنة المرأة من قبول تلقي ونظر شكاوى النساء من تركيا اللاتي يزعمن أنهن تعرضهن لإنتهاك جسيمة لحقوقهن في 27 نوفمبر 2011م،
  • و البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والهادف إلى إلغاء عقوبة الإعدام في 2 مارس 2006م.
  • البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في المنازعات المسلحة  في 4 مايو 2005م،
  • البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء وفي المواد الإباحية 19 أغسطس 2002م،

أتاحت موافقة تركيا على هذه البروتوكلات الإضافية توسيع نطاق ضمانات تنفيذ واحترام حقوق الإنسان، إلى جانب قبولها زيارات عدد من المقررين الخواص والخبراء المستقلين التابعين للإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، كما نظرت بعض لجان المعاهدات للشكاوى المقدمة من بعض الأفراد الذين يزعمون أنهم تعرضوا لإنتهاكات جسيمة لحقوقهم ولم يحصلوا على الإنتصاف داخلياً.

إلى جانب تقديم تركيا لتقاريها الأولية والدورية لهيئات المعاهدات، وبموجب الإجراء الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان. وقد تلقت تركيا ملاحظات وتوصيات هذه الهيئات حول أوجه القصور  التي وجب عليها معالجتها وتتعلق بضرورة رفع مستوى وعي العاملين في القضاء وفي المهن القانونية وعامة الجمهور بأحكام العهد الدولي بالحقوق المدنية والسياسية، وتعزيز ضمانات حماية حقوق الإنسان على المستوى الوطني بدء من دعم إستقلالية المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، إستنادا إلى مبادئ باريس، والعمل على حماية وتعزيز حرية الصحافة وحقوق الصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان.

ونظرا لعد إمكانية اضافة معلومات تفصيلية تزيد من طول هذا المقال، فإنه يمكننا القول أن الإجراءات التي أقرها البرلمان بأغلبية الأصوات وستقوم الحكومة التركية بتنفيذها، سيكون من اليسير متابعتها ومعرفة اشكالاتها، كما أن كاتب المقال لا يتوقع أن تحدث إنتهاكات جسيمة في ظل وجود وعي شعبي ومعارضة فاعلة، محافظة جلية على مساحة الحرية الموجودة في تركيا.

الشاغل المشروع مرجعية حاكمة لقلق الدول:

هناك مبدأ راسخ في العرف الدولي وهو (الشاغل المشروع) يتيح هذا المبدأ للدول الأطراف في الأمم المتحدة حقها في إبداء قلقها على أوضاع حقوق الإنسان وبصفة خاصة عند وقوع الإضرابات الداخلية أو النزاعات المسلحة في دولة طرف، بل ويفرض على الدول الاطراف جميعا الإلتقاء على فهم مشترك والتعهد بالعمل لضمان تعزيز الإحترام والوفاء والمراعاة العالمية لحماية حقوق الإنسان، كما ورد في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي إعتمدته الدول بوصفه "المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب والأمم"، وتسعى إلى تحقيقه بشتى السبل والتدابير الوطنية والدولية.

ختاماً:

قدمت لنا التجربة التركية بتصدي الشعب إلى جانب الحكومة في مواجهة الإنقلاب، مساحة جيدة للبحث والتقصي الفعال للحقائق التي يتطلع الجمهور لمعرفتها في بلد عرف بتعدد أعراق وثقافات شعبه.

 

عن الكاتب

حسن المجمر

محامي وناشط في مجال حقوق الإنسان وباحث صحفي